اسماعيل بن محمد القونوي
371
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
خاسئين خبر ثان لكان ولو كان صفة لوجب أن يقال خاسئة لامتناع الجمع بالواو والنون لغير ذوي العقل بلا تأويل فمثل قوله تعالى : رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ [ يوسف : 4 ] مأول وجعلهم من ذوي العلم إما تأويلا أو باعتبار أنهم كانوا عقلاء على ما روي أن كل واحد منهما كان يألف أقرباءه مما لا حاجة إليه مع أن تلك الرواية لا تلائم ظاهر الآية ولأن القردة خاسئة ذليلة فلا فائدة في التوصيف بها سوى الذم والتأكيد أو المراد أذلاء عند اللّه تعالى لدفع توهم أن المسخ يكفي في عقوبتهم ولا عذاب لهم في الآخرة ولا بد من ملاحظة هذه النكتة في جعله خبرا بعد خبر لكن كلام المصنف وإنما المراد به سرعة التكوين يقتضي كونهم خاسئين في الدنيا سواء كان خبرا بعد خبر أو صفة بالتأويل المذكور فالصواب كون المراد صغارهم في الدنيا لتأكيد الذم القردة جمع قرد بسكون الراء وقد يجمع على القردة كالقردة مثل فيل وفيلة والخسوء وفي بعض النسخ والخساء وهو ليس بمناسب هنا لأن خاسئين ليس بمشتق منه لأنه متعدد معناه دور كردن والصغار بفتح الصاد مصدر صغر بكسر الغين المعجمة الذلة والطرد بمعنى الإبعاد لكنه مبني للمفعول بقرينة عطفه على الصغار فيكون بمعنى المطرود لا بمعنى الطارد فإنه لا يصح هنا ولعل عطفه عليه للتنبيه على صغاره وحقارته حاصل بالجعل فإنه أبلغ من الصغار في نفسه وفي القاموس الخاسىء من الكلاب والخنازير المبعد الذي لا يترك أن يدنو من الناس . قوله : ( وقال مجاهد ما مسخت صورهم ولكن قلوبهم فمثلوا بالقردة كما مثلوا بالحمار في قوله كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً [ الجمعة : 5 ] فيكون المقصود منه تمثيلهم بالقردة فيكون تشبيها بليغا وقال الإمام إنه غير مستبعد لأن الإنسان إذا أصر على جهالته يقال إنه حمار وقرد فهو من المجازات المشهورة ولا يخفى بعده أما أولا فلأنه مخالف لإجماع المفسرين وللأحاديث والآثار الواردة في كونهم قردة وأما ثانيا فلأنه يخالف قوله تعالى ظاهرا فَجَعَلْناها نَكالًا [ البقرة : 66 ] الآية والنكال لا يتحقق إلا بالمسخ حقيقة كما أنه مخالف لظاهر قوله تعالى : فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ [ البقرة : 65 ] فإنه أمر تكويني لا موجب لحمله على عدم حقيقته أو على ما يقرب من حقيقته وفرق ما بين قوله تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ [ الجمعة : 5 ] الآية وبين قوله تعالى : فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا [ البقرة : 65 ] الآية . قوله : ( وقوله كونوا ليس بأمر ) أي ليس أمرا تكليفيا بل أمر تكويني كما في قوله تعالى كُنْ فَيَكُونُ [ البقرة : 117 ] ( إذ لا قدرة لهم عليه ) أي على جعل أنفسهم قردة وعلى صورة القردة فيكون تكليفا بما لا يطاق والأمر التكويني أيضا ليس بمراد حقيقة بل المراد به تمثيل حصول ما تعلقت به الإرادة العلية بلا مهلة بطاعة مأمور مطيع بلا تلعثم ولا تأخير وفيه تقرير للعظمة المستفادة من نون الجمع فليس قول ولا أمر تكويني أيضا بل الكلام محمول على الاستعارة التمثيلية وهذا قول البعض من أئمة الأصول واختاره المصنف وسيجيء التفصيل إن شاء اللّه تعالى في تفسير قوله تعالى : وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما