اسماعيل بن محمد القونوي
366
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
والمعنى خذوا ما آتيناكم راجين المرتبة العليا من التقوى أو الوسطى أو اعملوا بما في الكتاب واجتنبوا عن المعاصي راجين أن تكونوا من المتقين غير جازمين لكونكم متقين فإن العابد ينبغي أن يكون بين الخوف والرجاء ولا يغتر بعبادته أصلا ( ويجوز عند المعتزلة أن يتعلق بالقول المحذوف ) . قوله : ( أي قلنا خذوا واذكروا إرادة أن تتقوا ) وجواز تعلقه بالقول المحذوف مع تقدير الإرادة مختص « 1 » بالمعتزلة ولذا قال ويجوز عند المعتزلة ولو تعلق بالقول المحذوف لكان التقدير عندنا قلنا خذوا واذكروا طلب « 2 » أن تتقوا ولم يتعرض له لا لعدم جوازه عند أهل السنة بل لعدم الحاجة إليه لإغناء الوجهين الأولين عنه . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 64 ] ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 64 ) قوله : ( ثم أعرضتم عن الوفاء بالميثاق بعد أخذه ) يفهم منه أنهم امتثلوا الأمر ثم تركوه وهو الموافق للرواية المذكورة حيث قيل فظلله فوقهم حتى قبلوا وأصل الإعراض والتولي الادبار المحسوس ثم استعمل استعارة في الادبار المعنوي والجامع مطلق الادبار كلمة ثم لتفاوت ما بين التولي وبين أخذه الميثاق برؤية معجزة باهرة فلا يكون من بعد ذلك تكرارا قال الإمام قيل انتهى . الخبر عن أحوالهم عند قوله بعد ذلك ثم ابتداء فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [ البقرة : 64 ] ويؤيد ذلك توحيد ذلك بالكاف فإن مقتضى اتساق الكلام أن يقال ذلكم وعلى هذا يكون المراد من الفضل ما كان في حق المخاطبين من الخلف بعد مبعث رسولنا عليه السّلام لا ما كان في حق آبائهم من التوفيق للتوبة انتهى « 3 » . والمصنف لم يلتفت إليه فقال . قوله : ويجوز عند المعتزلة أن يتعلق بالقول المحذوف فحينئذ يجعلونه مجازا في معنى الإرادة وعندهم إرادة اللّه فعل غيره أمره به فلذا يجوزون تخلف المراد عن الإرادة في فعل غيره لأن المأمور لا يجب أن يكون مراد الأمر وأما إذا تعلقت إرادته تعالى بفعل ذاته اقضت إليه اتفاقا قال بعض الفضلاء من شراح الكشاف إن لعلكم إذا كان تعليلا لقوله خذوا واذكروا كان لعل على حقيقته من معنى الرجاء لأن الرجاء حينئذ راجع إليهم وإذا علق بقلنا المقدر المعطوف بالواو على رفعنا المذكور كان تعليلا لفعل اللّه فيجب تأويله بالإرادة على مذهب المعتزلة وأما عندنا فهو من الاستعارة التبعية وقيل إذا كان مجازا في معنى الإرادة يجوز أن يتعلق بخذوا على أن يكون قيدا للطلب لا للمطلوب .
--> ( 1 ) لما عرفت من أن تخلف إرادته تعالى عن مراده جائز عند المعتزلة دون أهل السنة . ( 2 ) لما مر أيضا من أن تخلف المطلوب عن طلبه تعالى جائز اتفاقا وأما قول النحرير التفتازاني يجوز على تقدير كونه مجازا عن الإرادة تعلقه بخذوا أو واذكروا على أن يكون قيدا للطلب دون المطلوب لا يخلو عن اشكال ولو قيل على تقدير التأويل بالإرادة سواء كان تعلقه بقلنا أو بخذوا واذكروا إذا أريد بالإرادة الطلب يجوز عند أهل السنة أيضا فإذا وقع ذلك في كلامهم فليحمل عليه . ( 3 ) هذا من قبيل اخطب ما يكون الأمير قائما .