اسماعيل بن محمد القونوي

364

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

اسم جبل معلوم وهو جبل المناجاة ويجوز أن يقلعه اللّه تعالى إلى مكان هم فيه فيجعله فوقهم وإن كان بعيدا منهم فاللام للعهد أو جبل من الجبال إذ الطور اسم لكل جبل وقيل لما أنبت فيها خاصة دون ما لم ينبت وهل هو عربي أو سرياني معرب فيه قولان فعلى هذا اللام في الطور للعهد الذهني فعلم منه أن إسناد رفعنا إسناد مجازي من قبيل النسبة إلى الأمر ويؤيد هذه الرواية كون الرفع متقدما على أخذ الميثاق . قوله : ( حتى قبلوا ) وهذا ليس جبرا على الإسلام لأن الجبر ما يسلب الاختيار ولا يصح معه الإيمان بل كان إكراها وهو جائز ولا يسلب الاختيار كالمحاربة مع الكفار كذا نقل عن تفسير التيسير ولا يخفى أنه من قبيل الآية الملجئة إلى الإيمان والقياس على المحاربة قياس مع الفارق فالأحسن ما قيل هنا فحصل لهم بعد هذا القهر والإلجاء قبول اختياري يدل على ذلك استمرارهم على القبول بعد زوال الآية الملجئة وأيضا الظاهر من سوق الآية هنا وفي سائر المواضع أنهم أبوا عن قبولهم عملا لا اعتقادا كما تدل عليه الرواية المذكورة حيث قيل كبرت عليهم وحتى قبلوا ولم يقل حتى آمنوا والإلجاء إلى العمل مما لا كلام في جوازه وأما القول بأنه كان يكفي في الأمم السالفة مثل هذا الإيمان فضعيف إذ النصوص دالة على عدم قبول الإيمان المضطر مطلقا قال تعالى : فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ [ يونس : 98 ] الآية وقال تعالى : فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا [ غافر : 85 ] الآية والعلة « 1 » التي تقتضي عدم قبوله مشتركة فلا وجه لقبول مثل هذا الإيمان من الأمم الماضية وفوقكم ظرف مكان ناصبه رفعنا وأما كونه حالا فضعيف كما بينه أبو البقاء إلا أن يقال إنها حال مقدرة إذ الجبل لم يكن فوقهم وقت الرفع وإنما صار فوقهم بالرفع فيصح كونه حالا مقدرة لكن لا حاجة إليه . قوله : ( على إرادة القول ) أي قلنا أو قائلين بلسان الرسول خُذُوا ما آتَيْناكُمْ [ البقرة : 63 ] ( من الكتاب ) بيان لما أي التورية بقرينة المقام . قوله : ( بجد وعزيمة ) أي على تحمل مشاقه من غير تكاسل وتغافل يقال عزمت على كذا عزما وعزيمة إذا أردت فعله وقطعت عليه وليس المراد بالقوة القدرة والاستطاعة التي بها الفعل لا قبله بدليل بين في محله فيكون المراد بها العزيمة مجازا فإن العزيمة سبب عادي لحصول القدرة فتلك العزيمة متقدمة على الفعل ولو أريد بها القدرة التي لم تستجمع شرائط التأثير وهي متقدمة على الفعل اتفاقا لم يبعد لكن لا يكون له كثير فائدة في الأمر بالأخذ بها إذ الأخذ لا يكون إلا بالقدرة فإن العاجز لا يؤمر به فاتضح بهذا البيان أن حمل القوة على القدرة مطلقا لا يناسب جزالة النظم الجليل لعدم الفائدة فلا يدل هذا على مذهب الجبائي ومن تبعه من المعتزلة من أن الاستطاعة قبل الفعل لأنه لا يجوز أن يقال أخذه هذا بقوة إلا والقوة حاصلة فيه .

--> ( 1 ) وهي كون هذا الإيمان إيمانا بالمعاينة والمقبول الإيمان بالغيب .