اسماعيل بن محمد القونوي
357
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الخ كما يمكن أن يقال إن المخلصين من أهل الإسلام واليهود والنصارى من كان منهم على دينه الخ وأما المنافقون فإمكان ذلك في حقهم مشكل مع أنه جعل الذين آمنوا عاما للمنافقين إلا أن يقال هذا من قبيل الحكم على الجميع بحكم البعض فالمراد ما عدا المنافق لكنه حكم على الجميع لظهور المراد لكنه بعيد جدا في مثل هذا المقام ولم يلتفت إلى هذا الوجه الزمخشري لأن الصابئين عنده ليسوا من أهل الكتاب فلم يصح أن يقال من كان منهم في دينه قبل أن ينسخ إلا أن يقال ما مر في شأن المنافقين مع بعده وقيل من كان منهم في دينه أي الدين الذي ينتسب إليه مخلصا كان فيه أولا فيتناول المنافق والمخلص من المسلمين قبل أن ينسخ ذلك الدين كله كالأديان الماضية أو بعضه كدين محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أو المعنى قبل أن ينسخ إن قبل النسخ وهذا ضعيف إذ لا كلام في تناوله المنافق على ما اختاره المص وإنما الكلام في صحة أن يقال في حقهم إنه من كان في دينه قبل أن ينسخ الخ إذ لا دين للمنافق يثاب به ويترتب عليه عدم الخوف والحزن والتفصي عنه بما ذكرناه وإن كان بعيدا وأما قوله وكذا المنافق إذا ترك النفاق وآمن باللّه واليوم الآخر وعمل صالحا ومات ثم نسخ بعض الأحكام فهو داخل في هذا الحكم أيضا أي كما أن المؤمن المخلص داخل في ذلك الحكم فهو غريب جدا إذ المعنى على هذا التوجيه الأول أن المنافق إذا ثبت في دينه الظاهر كما ثبت المخلص واليهود والنصارى في دينهم وماتوا قيل إن ينسخ دينهم فيثابون ويترتب عليه عدم الخوف والحزن ولا يخفى أن هذا غير ممكن في شأن المنافقين وترك نفاقهم غير مأخوذ في هذا التوجيه بل هو معتبر في التوجيه الثاني كما ستعرفه على أنه إن ترك النفاق وآمن باللّه واليوم الآخر يكون من جملة المخلصين الداخلين فيهم فلا وجه حينئذ في جعلهم مقابلين للمؤمن المخلص ولا يخفى أن بيان حال من مضى على دين سماوي قبل أن ينسخ ومدحهم بإثبات الأجر لهم والأمن من الحزن فيه كمال ترغيب في دين الإسلام لأن من كان على حق وعلى انقياد لكتاب ونبي ممن مضى في القرون الخالية وإن صاحب هذه الملة إذا كان حاله اتباع الحق في سرور وأمن ونعمة وراحة يحصل التنشيط والترغيب في اتباع القرآن ودين الإسلام ألا يرى أنه تعالى مدح أهل الكتاب في أول هذه السورة الكريمة على توجيه وبالجملة القرآن الحميد مشحون ببيان أحوال السعداء والأشقياء من الأمم الماضية ترغيبا لهذه الأمة في دين الإسلام وترهيبا لهم بالمقايسة على الفريقين والعجب من صاحب الإرشاد أنه اعترض على المص اعتراضا يتحير فيه العقول ويخالف النقول نعم يرد على المص أن الأولى عدم التعرض للمنافقين بل الصابئين وقد عرفت وجهه وشيد أركانه إذ الحكم على الجميع بحكم مختص بالبعض كثير شائع في كلام البلغاء لا سيما في كلام اللّه تعالى لعل وجهه أنه لما كان المنافقون مع المخلصين ظاهرا جمع في الحكم ظاهرا توبيخا لهم وتهكما بهم قال المص في سورة طه في قوله تعالى : وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً [ مريم : 88 ] يحتمل الوجهين لأن هذا لما كان مقولا فيما بين الناس جاز أن ينسب إليهم سواء كانوا سعداء أو أشقياء وهذا ليس ببعيد من ذلك .