اسماعيل بن محمد القونوي

353

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

صحة إطلاق اللفظ على الحقيقة لا لكونه حقيقة في الإقرار كما فهم من كلام صاحب المواقف ولما كان إطلاق لفظ الإيمان على الإقرار حقيقة لكونه أمارة وعلامة على التصديق اليقيني وإن لم يوجد التصديق في نفس الأمر لجواز تخلف المدلول عن أمارته فسر الإيمان بالإقرار فقال بألسنتهم فكأنه قال تعالى إن الذين أقروا بدين محمد صلّى اللّه تعالى عليه وسلم سواء صدقوا بالقلب أو لا فلا مجاز في النظم الكريم بطريق المقيد وإرادة المطلق كما توهمه بعض المحشيين . قوله : ( يريد بهم المتدينين بدين محمد صلّى اللّه عليه وسلّم المخلصين منهم والمنافقين ) قطع كون هذا مرادا مع أنه ليس دأبه إذ الاطلاع على مراد اللّه عسير وكثيرا ما زاد في مثل هذا لعله أراد كذا لكنه بالغ في توهين القول الثاني فجزم بأنه يريد الخ وإنما جعل المتدينين أعم من المخلصين والمنافقين مع أن المتبادر من إطلاق المؤمن المخلص فيصح قوله من آمن منهم لكن من آمن منهم في انتظامه للمخلص محل تأمل فالظاهر ما اختاره صاحب الكشاف من تخصيصه بالمنافقين إلا أن يقال المعنى من ثبت على الإيمان ومن أحدث الإيمان منهم ولا يخفى بعده وضعفه لأنه مع ما يلزم منه الجمع بين الحقيقة والمجاز لا يظهر له كثير فائدة . قوله : ( وقيل المنافقين لانخراطهم في سلك الكفرة ) أي لذكر إن الذين آمنوا في قوله : يريد به المتدينين بدين محمد صلّى اللّه تعالى عليه وسلم المخلصين والمنافقين لم يفسر الَّذِينَ آمَنُوا بالمؤمنين الخلص فقط بل هو أعم منهم ومن الذين نافقوا لئلا يلزم من قوله من آمن تكرار المؤمنين الخلص وترك تعظيمهم بذكرهم في سلك الكافرين ولذا فسرهم صاحب الكشاف بالمنافقين الذين آمنوا بألسنتهم من غير مواطأة القلوب . قوله : وقيل من آمن من هؤلاء الكفرة ودخل في الإسلام هذا الوجه أولى لأنه لو كان المراد بالوجه الأول لكان الأنسب أن يقال من آمن باللّه لأن ذلك الوجه تفسير للآية على المعنى وإذا أريد حفظه معنى المضيء عند ذكر لفظ الماضي في حيز كلمة الشرط أو ما يقوم مقامها كالموصول لا بد أن يجاء بلفظ كان ليحفظ ذلك ولذا قال رحمه اللّه في بيان الوجه الأول من كان منهم في دينه قال بعض الفضلاء هذا العام يعني الحكم العام لجميع الكفرة من المنافقين واليهود والنصارى والصابئين بعد ورود الكلام في قوم مخصوصين دليل على أن الكلام في هذا المعنى العام مستطرد وكذا ما قبله وهو قوله : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ [ البقرة : 61 ] الآية بيان ذلك أن اللّه تعالى لما حكى انكار موسى عليه السّلام على اليهود واستبدالهم الأدنى بما هو خير الناعي على مهانة أنفسهم جاء بقوله ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ [ البقرة : 61 ] وحكى سوء صنيعهم بالكفر وقتل الأنبياء واعتدائهم في حدود اللّه إشارة إلى أنهم قوم معكوسو الرأي في سائر الأمور فليس ذلك ببدع منهم فإنهم قد ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ [ البقرة : 61 ] بسبب الأعمال السيئة الصادرة عن سوء اعتقاد وفساد في الرأي ثم ضم إلى ذلك أن هؤلاء واضرابهم المتمرنين في الكفر من آمن منهم إيمانا خالصا ودخل في دين الإسلام دخول ذي رأي صائب فاز بما فاز به الخلص من المؤمنين وصار بوء الرحمة بدل بوء الغضب ترغيبا في الإيمان ويدل أيضا على الاستطراد الرجوع إلى خطاب اليهود بقوله وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ [ البقرة : 63 ] .