اسماعيل بن محمد القونوي
333
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( المعتدي بفعله ومنه ما يتمجن صلاحا راجحا ) والشيء الذي يكون الصلاح فيه راجحا على الفساد كيف يؤدي من الاعتداء فإن ما يؤدي إلى الصلاح صلاح وإن كان في صورة الإفساد لغة ( كقتل الخضر الغلام وخرقه السفينة ) وهدم دور المشركين وإهلاك زروعهم فإنه إفساد لغة صلاح شرعا لا إفساد شرعا لأن الإفساد الشرعي يختص مما يكون بغير حق واللغوي عام له ولغيره لكن المصنف نظر إلى صورة الاعتداء فقال ومنه أي من الاعتداء . قوله : ( ويقرب منه العيث ) أي من العثي المدلول عليه بقوله تعالى : وَلا تَعْثَوْا [ البقرة : 60 ] ( غير أنه ) مستثنى مما فهم من السوق أي يقرب منه من كل الوجوه إلا أنه أي العيث ( فيما يدرك حسا ) كالقتل وخرق الشيء بغير حق بخلاف العثي فإنه أعم مما يدرك حسا وعقلا كالشرك ونحوه من الأمور الباطنة التي تدرك عقلا . قوله : ( ومن أنكر أمثال هذه المعجزات فلغاية جهله باللّه تعالى وقلة تدبره في عجائب صنعه فإنه حجر لما أمكن أن يكون من الأحجار ما يحلق الشعر وينفر الخل ويجذب الحديد ولم يمتنع أن يخلق اللّه سحرا يسخره لجذب الماء من تحت الأرض أو لجذب الهواء من الجوانب ويصيره ما بقوة التبريد ونحو ذلك ) نقل عن الراغب أنه قال أنكر ذلك بعض الطبيعيين واستبعده وهذا المنكر مع أنه لم يتصور قدرة اللّه تعالى في تفسير الطبائع والاستحالات الخارجة عن العبارات فقد ترك النظر على طريقته إذ تقرر عندهم أن الحجر المغناطيس يجر الحديد وأن الحجر المنفر « 1 » للخل ينفر والحجر الحلاق يحلق الشعر وهو النورة وذلك كله عندهم من أسرار الطبيعة وإذا لم يكن مثل ذلك منكرا عندهم فغير ممتنع أن يخلق اللّه تعالى حجرا يسخره لجذب الماء من تحت الأرض انتهى . إذا عرفت هذا فجواب المصنف من قبيل الجدل الذي أمر به رسوله عليه السّلام حيث قال تعالى : وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ النحل : 125 ] الآية فمن غفل عن ذلك الأمر الجليل قال هذا التوجيه من خطرات وساوس الفلاسفة الذاهبين إلى إسناد الآثار إلى الطبائع ومذهب أهل الحق أن الكل مستند إلى اللّه تعالى والأسباب الظاهرية عادية انتهى . إيراد خطرات وساوس الفلاسفة ودفع شبهات الفلاسفة أمر جيد شائع بين الأئمة الكرام ونطق بحسنه القرآن المبين وإن كون الكل مستندة إلى اللّه تعالى مما صرح به المصنف في كتابه في مواضع شتى وإن إلقاء ذلك إلى من لم يعتقد به لا يجدي نفعا والطبيعيون ينكرون ذلك فلا جرم أن إلزامهم لا يكون إلا على الفساد لا تقييد العامل وإلا لكان بمفهومه مفيدا معنى تمادوا في الفساد حال كونكم مصلحين وهذا غير جائز أو يحمل على الحال المؤكدة كما قال أبو البقاء مفسدين حال مؤكدة لأن معنى قوله لا تعثوا مفسدين لا تفسدوا لكن هذا ليس مذهب صاحب الكشاف في الحال المؤكدة لما ذكر وأيضا يلزم منه ما ذكر من أنه إثبات للفساد ونفي له في حالة واحدة .
--> ( 1 ) فإنه إذا أرسل إلى إناء فيه خل لم ينزل بل ينحرف فيه حتى يسقط خارجا عنه ينفر من باب ضرب وينفر بضم العين لغة فيه فتعديته بنفسه بالحذف والايصال أي ينفر عن الخل .