اسماعيل بن محمد القونوي

329

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

هذه الفاء إما داخلة في جواب شرط محذوف فهي فاء جزائية وتسمى فصيحة أيضا لإفصاحها وأنبائها عن ذلك المحذوف بحيث لو ذكر لم يكن الحسن مع حسنه في موقع ذوقي لا يمكن التعبير عنه ومما يؤيد حسن موقعه أن فيه إفادة المعنى الكثير بعبارة قليل لكن في حذف كلمة قد بعض نقصان ولأجل هذا مع أن فيه كثرة التقدير أخره صاحب الكشاف والمصنف نظر إلى أن الفاء قوي الدلالة على المحذوف وكامل في الفصاحة والإنباء عن المحذوف فما يدل على أكثر محذوف يكون فصاحتها أظهر كمالا لم يؤد إلى الاستعجام وعدم الإفهام لكن يرد على هذا الوجه أن ذلك يقتضي تقدم الانفجار على الضرب لكون الجواب ماضيا مع أنه قد أجيب تارة بأن المراد فقد حكمنا بترتب الانفجار على ضربك وتارة بأن حرف الشرط في إن ضربت خلصت للماضي الداخل عليه قد التحقيقية لا لاستقبال وهذا ركيك لأن خلوص الماضي الواقع شرطا للماضي مختص بلفظ كان وحيث لم يذكر يراد مقدرا أي فإن كنت ضربت فقد انفجرت وسلاسة المعنى يقتضي الاستقبال فيكون الوجه الثاني مختارا وأن أبا حيان رده بأن حذف أداة الشرط وفعله لم يسمع وأنه لا بد من إظهار قد في الجواب الماضي وإذا كان ماضيا فليس هو الجواب بل دليله نحو إن جئتني فقد أحسنت إليك أي لم ينكر ولم يستبعد لأني قد أحسنت إليك وإن كان الصحيح جوازه كما نقل عن ابن مالك وأبي البقاء وقد مر التفضيل في قوله تعالى فَتابَ عَلَيْكُمْ [ البقرة : 54 ] وهذا الاختلاف يوجب توهين هذا الاحتمال أيضا وحيث أمكن جعلها عطفا على المحذوف لا يصار إلى غيره . قوله : ( أو فضرب فانفجرت ) هذا مختار السكاكي حيث فسر الفاء الفصيحة « 1 » بأنها التي تدل على محذوف غير شرط هو سبب لما بعدها والنكتة المختصة بهذا المقام الدلالة على أن المأمور لم يتوقف في اتباع الأمر وإن المطلوب من الأمر هو الانفجار لا الضرب والإيماء إلى أن السبب الأصلي هو أمره تعالى لا فعل موسى عليه السّلام وهذه النكتة غير مطردة بل هي مختصة بمثل هذا ونظائره كثيرة في القرآن وتقدير المحذوف بالفاء في الوجهين إشارة إلى سرعة الامتثال والمعنى فضرب عقيب أمرنا بلا توقف فانفجرت عقيب الضرب مع سببية الضرب لذلك الانفجار فالفاء الأولى سببية والثاني فصيحة وفي عشرة ثلاث لغات فتح الشين وكسرها وسكونها ( كما مر في قوله تعالى فَتابَ عَلَيْكُمْ [ البقرة : 54 ] وقرىء عشرة بكسر الشين وفتحها وهما لغتان فيه ) « 2 » . بصفة من هو بسببه لأن الحكيم هو المتكلم وإنما اختصت بكلام البلغاء لأن المراد بالحرف الدلالة على أن المأمور لم يتوقف عن اتباع الأمر وكان المطلوب من المأمور الانفجار لا الضرب ومثل هذا المعنى الدقيق لا يذهب إليه إلا الفصيح ونحوه مذكور في الأعراف .

--> ( 1 ) الفاء فصيحة على التقديرين عند الأكثرين لإفصاحها عن المحذوف وفضيحة على التقدير الثاني فقط عند السكاكي وهذا نزاع لا طائل تحته . ( 2 ) أشار إلى أن مثل هذه الحال تدل على هيئة ألف بهيئتها فقط وهي المقارنة لطلوع الشمس وفيما نحن فيه المقارنة العلم بالانفجار .