اسماعيل بن محمد القونوي
323
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قال تعالى : سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ [ الفتح : 15 ] إلى قوله : يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ [ الفتح : 15 ] الآية ولم يكن تبديلهم إلا الخلاف في الفعل لا في القول فكذا هنا لما أمروا بالتواضع وسؤال المغفرة لم يمتثلوا أمر اللّه تعالى انتهى فإن التبديل هناك بمعنى التغيير لقرينة صارفة عن المعنى المشهور دون هنا كما لا يخفى . قوله : ( أو على أنفسهم ) عطف على مقدر يستحب إليه الكلام أي لظلمهم مطلقا أو على أنفسهم تعديته بعلى مع أنه متعد بنفسه كقوله تعالى : وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [ البقرة : 57 ] لتضمنه معنى التعدي والفرق بين الوجهين أن في الأول لا يعتبر خصوص النفس لا أن يعتبر الغير وفي الثاني خصوص النفس معتبر فعدم ذكر المتعلق في الأول لقصد التعميم لكن فيه خدشة وهي أن وضع غير المأمور به في موضع المأمور به لا يكون ظلمه إلا على أنفسهم ولا يتصور التعميم إلا أن يقال التعميم مفهوما يكفي في التقابل ولا يقتضي الافراد المحققة وقال بعضهم المراد بالإطلاق في الأول أن لا يعتبر خصوص النفس لا أن يعتبر معها الغير فتدبر انتهى فحينئذ لا يحسن التقابل إذ المراد بالأول الظلم على أنفسهم كما في الثاني لكن لم يعتبر خصوص النفس وفي الثاني اعتبر ذلك وبهذا القدر لا يحسن التقابل فالتعويل « 1 » على ما ذكرناه ( بأن تركوا ما يوجب نجاتها إلى ما يوجب هلاكها ) . قوله : ( عذابا مقدرا من السماء ) أي المراد بالرجز هنا العذاب ومن السماء متعلق بمحذوف ظرف مستقر وقع صفة لرجز وكون المتعلق فعلا خاصا لا ينافي كونه ظرفا مستقرا إذا قامت القرينة على الفعل الخاص لا متعلق بأنزل لأن العذاب ليس نازلا من السماء بناء على أن المراد به الطاعون وهو ليس بنازل من السماء فلو كان المراد بالرجز الصاعقة مثلا لصح تعلق الجار بأنزل وكونه مقدرا من السماء مع أنه مقدر في الأزل أن ظهور كونه مقدرا من السماء التي فيها اللوح وجه التقييد مع أن كل الأشياء مقدرة للتهويل وأن ذلك الإنزال كالأمر الواجب لكونه مقضيا بشؤم ظلمهم والتجاوز عن الحدود بفسقهم فعلم من ذلك أن الإنزال مجاز في الإيصال إذ معناه تحريك الشيء من علو إلى سفل تدريجيا كان أو دفعيا ولو قيل هذا كقوله تعالى : أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً [ الأعراف : 26 ] الآية وكان معناه وخلقناه بتدبيرات سماوية وأسباب نازلة من السماء لم يبعد تعلق الجار بأنزلنا وكذا قوله تعالى : وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ [ الزمر : 6 ] وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ [ الحديد : 25 ] كما قاله المص في سورة الأعراف . قوله : ( بسبب فسقهم ) أشار إلى أن الباء للسببية وما مصدرية ولفظ كانوا مقحم لكن قوله : بسبب فسقهم إشارة إلى أن ما في بما كانوا مصدرية وكان الأوفق أن يقول بسبب كونهم فاسقين .
--> ( 1 ) على أنه يمكن جعله ظلما على الغير أيضا باعتبار جعل الغير في معرض الاجتراء على أمر اللّه تعالى بسبب اتباعهم في تعاطي المناهي أو كونهم سببا لانقطاع المطر واستيلاء القحط وحصول الهرج والمرج وغير ذلك .