اسماعيل بن محمد القونوي
314
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
سببا لظلمهم ( بأن كفروا هذه النعم ) حيث لم يحافظوا الحدود حتى ادخروا لغد مع أنهم نهوا عن ذلك وأيضا قالوا لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ [ وما ظلمونا ] جملة استئنافية وكونها عطفا على القول المقدر خلاف الظاهر . قوله : ( ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) إدخال كانوا لإفادة دوام ظلمهم واستمراره وتقديم المفعول أي أنفسهم لرعاية الفواصل ولإفادة القصر أشار إليه بقوله ( لا يتخطاهم ضررة ) حيث استوجبوا العذاب وانتطاع مادة الرزق لأنه نزل عليهم بلا مؤنة في الدنيا ولا حساب في العقبى ( بالكفران لأنه ) . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 58 ] وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ( 58 ) قوله : ( يعني بيت المقدس ) على وزن المسجد على أنه مصدر يسمى بمعنى المطهر أو اسم مفعول من التقديس أريحا بفتح الهمزة وكسر الراء وبالخاء المهملة قرية قريبة من بيت المقدس ( وقيل أريحا ) بفتح الهمزة وسكون الراء وكسر الياء قرية الجبابرة الكنعانيون جعلها اللّه تعالى مسكنا لبني إسرائيل وقصته في صورة المائدة مرضه لأن المتبادر من أرض المقدسة في قوله تعالى : يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ [ المائدة : 21 ] بيت المقدس وحواليها تابعة لها ( أمروا به بعد التيه ) أي أمروا بدخولهم بيت المقدس أو أريحا ورد على قوله بعد التيه إنه تبع فيه الزمخشري وقوله تعالى في سورة المائدة يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [ المائدة : 21 ] إلى قوله فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً [ المائدة : 26 ] صريح في أن الأمر بدخول القرية كان قبل التيه والقصة واحدة بالاتفاق وما قيل إنهم أمروا بالدخول مرة أخرى قبل التيه دل على ذلك ما في المائدة من ترتيب التيه على عدم امتثالهم لهذا الأمر فمع عدم نقله أورد عليه أنه يفهم منه أنهم امتثلوا الأمر أي فشكرا وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ [ النمل : 15 ] وقيل قدر فيه فعملا به وعلما وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة وقالا الحمد للّه والفاء في فظلموا مجاز لغير الترتيب على أسلوب أنعمت عليه ليشكر فكفر وإذا قيل أنعمت عليه فشكر تكون الفاء حقيقة في معنى الترتيب فاستعمال الفاء في فظلموا وفي فكفروا على سبيل التجوز كاستعمال لام التعليل في قوله تعالى : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [ القصص : 8 ] قيل عليه إن قوله : وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [ البقرة : 57 ] يمنع تقدير فظلموا لأنه إما أن يكون تقديره فظلمونا فيناقض قوله وَما ظَلَمُونا وإما أن يكون فظلموا أنفسهم فيلزم التكرار وأجيب بأن المقدر لم يتعلق بمحذوف بل أجري مجرى الفعل اللازم فإن معناه ففعلوا الظلم وما عاد وبال ظلمهم علينا وإنما عاد على أنفسهم قوله وقيل أريحا بفتح الهمزة وكسر الراء والحاء المهملة اسم قرية بالغور قريبا من بيت المقدس وقيل هو باب القبة التي كانوا يصلون إليها ويقال لها قبة الزمان وفي الكشاف القرية بيت المقدس وقيل أريحا من قرى الشام أمروا بدخولها بعد التيه والباب باب القرية وقيل هو باب القبة التي كانوا يصلون إليها وهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى عليه السّلام أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكرا للّه وتواضعا .