اسماعيل بن محمد القونوي

308

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

سورة الأعراف روي أنه تعالى أمره بأن يأتيه في سبعين من بني إسرائيل فاختار من كل سبط ستة فزاد اثنان فقال ليتخلف منكم رجلان فتشاجرا فقال إن لمن قعد أجر من خرج فقعد كالب ويوشع وذهب مع الباقين فلما دنوا من الجبل غشيه غمام فدخل موسى بهم الغمام وخروا سجدا فسمعوه يكلم موسى يأمره وينهاه ثم انكشف الغمام فأقبلوا إليه وقالوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ الرجفة أي الصاعقة أو رجفة الجبل فصعقوا منها انتهى فالمراد بالميقات ميقات التوبة عن عبادة العجل قال الخيالي روي أن موسى عليه السّلام اختار سبعين من أخيار المؤمنين للاعتذار عن عبادة العجل وهم الذين طلبوا الرؤية . وقالوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً . فعلم أنهم ارتدوا وكفروا من بعد ما آمنوا انتهى لكن كالب ويوشع بريئان من ذلك وكلام الفاضل الخيالي يوهم خلافه وفيه قول آخر وهو أنه كان بعد القتل وتوبة بني إسرائيل وقد أمره اللّه تعالى أن يأتي بسبعين رجلا معه فلما ذهبوا معه قالوا له ذلك كذا ذكره الإمام والمختار ما ذكره الإمام أولا أن هذا كان بعد أن كلف عبدة العجل بالقتل بعد رجوع موسى عليه السّلام من الطور وتحريق عجلهم وقد اختار منهم سبعين خرجوا معه إلى الطور انتهى . لكن كون كالب ويوشع من عبدة العجل كما يوهمه عبارة الإمام منظور فيه إلا أن يقال هما غير داخلين في السبعين الذين اختارهم موسى عليه السّلام فحينئذ يخالف رواية المصنف ونقل عن مجمع البيان أنه قال إنهم اختلفوا في سبب اختياره إياهم ووقته فقيل إنه اختارهم حين خرج إلى الميقات ليكلمه اللّه تعالى بحضرتهم ويعطيه التورية فيكونوا شهداء له عند بني إسرائيل لما لم يثقوا بخبره أن اللّه تعالى يكلمه اللّه فلما حضروا الميقات وسمعوا كلامه تعالى سألوا الرؤية فأصابتهم الصاعقة فابتدأ سبحانه تعالى بحديث الميقات ثم اعترض بحديث العجل فلما تم عاد إلى بقية القصة وهذا الميقات هو الأول وقيل إنه اختارهم بعد الأول للميقات الثاني بعد عبادة العجل ليتعذروا من ذلك فلما سمعوا كلام اللّه تعالى فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [ النساء : 153 ] انتهى . وكلام المصنف يحتمل الوجهين والظاهر كون الميقات ميقات التوبة وقيل الراجح عنده ميقات إعطاء التورية « 1 » . قوله : ( وقيل عشرة آلاف من قومه ) زيفه لأنه يخالف ظاهر قوله تعالى : وَاخْتارَ إلى الطور فوقع عليهم عموم الغمام فضرب الحجاب فسمعوه يكلم موسى يأمره وينهاه فلما انكشف الغمام قالوا له لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [ البقرة : 55 ] فأخذتهم الصاعقة وهلكوا فجعل موسى يبكي ويقول ماذا أقول لبني إسرائيل وقد أهلكت خيارهم فلم يزل يناجي ربه حتى أحياهم .

--> ( 1 ) قيل يعلم من هذا البيان ضعف ما قال النحرير التفتازاني في شرح المقاصد إن السائلين القائلين لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً لم يكونوا مؤمنين ولا حاضرين عند سؤال الرؤية ليسمعوا هم جواب اللّه تعالى وإنما الحاضرون هم السبعون المختارون ولا يتصور منهم عدم تصديق موسى في الإخبار بامتناع الرؤية انتهى وجوابه ما أشار إليه الفاضل الخيالي من قوله فعلم أنهم ارتدوا وكفروا من بعد ما آمنوا .