اسماعيل بن محمد القونوي
302
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
كالجزء ( فلم يقدر المضي لأمره تعالى ) عليه لكمال الشفقة ومرادهم المضي عليه ( فأرسل اللّه ضبابة وسحابة سوداء لا يناصرون ) المضي تشبيه السحابة تغشى الأرض كالدخان ( فأخذوا ) شرعوا ( يقتلون ) أي عبدة العجل وهم منقادون لذلك ( من الغداة ) من الصباح ( إلى العشى ) إلى ما بعد الظهر أو إلى ما بعد العصر قبيل المغرب ( حتى دعا موسى وهارون عليهما السّلام ) لدفعه وعفوه وقالا يا رب هلكت بنو إسرائيل البقية البقية والظاهر أن موسى عليه السلام دعا وهارون عليه السّلام كان يؤمن قال المص في تفسير قوله تعالى قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما [ يونس : 89 ] يعني موسى وهارون لأنه كان يؤمن . قوله : ( فكشفت السحابة ) أي عقيب دعائهما الفاء للسببية مع التعقيب ( ونزلت التوبة ) أي قبولها للحي الباقي فكان ذلك شهادة للمقتولين وتوبة للباقين خصوصا للموجودين في زمن نبينا عليه السّلام فعلم منه أن هذه نعمة دينية أخروية في حق المقتولين حيث كانوا شهداء ونعمة « 1 » دنيوية للأحياء الباقين وإنما فصل بينهما بقوله : وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ [ البقرة : 53 ] الآية لأن المقصود تعداد نعمة كثيرة فلو اتصلا لظن أنهما نعمة واحدة والقول بأن قوله تعالى : فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ منقطع عما تقدم من التذكر بالنعم لأن القتل لا يكون نعمة ضعيف ( وكانت القتلى سبعين ألفا ) وعبدة العجل ستمائة ألف إلا اثني عشر ألفا صرح به في سورة طه ويستفاد منه أن الحكم بالقتل في حق الباقين من عبدة العجل نسخ بقبول توبتهم بالندامة والرجوع فيلزم النسخ في حق الأحياء الباقين منهم قبل الفعل قال المص في قصة البقرة والحق جوازه وسيجيء التوضيح إن شاء اللّه تعالى في قصة البقرة قبل هذه الرواية أخرجه ابن جرير من طريق ابن عباس رضي اللّه عنهما وتأييد للوجه الأجير ولا يخفى عليك أنه يمكن تطبيق هذه الرواية على الوجه الثاني فتدبر . قوله : ( والفاء الأولى ) أي فاء فتوبوا ( للتسبيب ) لا غير أي لا للعطف لئلا يلزم عطف الإنشاء على الاخبار قيل وأسقط مما في الكشاف من لفظة لا غير إذ لا تنافي بين السببية والعطف نص عليه في الرضي إذ التوافق بين الخبرية والإنشائية إنما يشترط في العطف بالواو انتهى وكذا صرح به النحرير في المطول فليتأمل ( والثانية ) أي فاء فاقتلوا ( للتعقيب ) أما على الوجه الأول وهو المختار فلأن القتل عقيب العزم على التوبة والسببية أيضا متحققة لأن العزم على الشيء سبب لفعله وغرضه أن الأولى لا تكون للتعقيب بل للسببية فقط وأما الثانية فكلاهما متحققان « 2 » واكتفى بالتعقيب لما ذكرنا ذلكم خير لكم جملة معترضة بين فتاب عليكم وما قبله والنكتة للتحريض على التوبة المذكورة التي أشق وأشد على النفوس قوله عند بارئكم للمبالغة في الترغيب لكن كون القتل خيرا لهم ثبت بقتل البعض كما عرفته .
--> ( 1 ) أي في حكم الشهداء في استجلاب رضاء اللّه تعالى لا أنهم شهداء حقيقة . ( 2 ) وأما على الثاني فظاهر وأما على الثالث ففيه تأمل إلا أن يقال إن قوله فاقتلوا أي غير عبدة العجل متضمن للأمر بعبدة العجل فاستسلحوا للقتل وبهذا الاعتبار يظهر التعقيب أو لكونها حينئذ تفسير أن ما بعدها كلاما مرتبا في الذكر على ما قبلها من غير قصد إلى أن مضمونها عقيب ما قبلها في الزمان .