اسماعيل بن محمد القونوي

299

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

فاقتلوا إذ الظاهر أن اللّه تعالى جعل توبتهم قتل أنفسهم فيلزم عطف الشيء على نفسه وأيضا لا يصح تعلق إلى توبوا إذ لا معنى لأن يقال اقتلوا أنفسكم إلى بارئكم أشار إلى دفعه بقوله والرجوع إلى بارئكم يعني أن تعلق إلى باعتبار معنى الرجوع إما بطريق التضمين أو باعتبار أن أصل معنى التوبة الرجوع فكونها عبارة عن القتل لا يقتضي سقوط معنى الرجوع بالكلية بل الرجوع عن المعصية أتم في القتل لانتقاء القدرة على المعصية كأنه قيل فاعزموا على الرجوع بقتل أنفسكم فإنه رجوع لا فوقه رجوع . قوله ( بريئا من التفاوت ومميزا بعضكم عن بعض بصور وهيئات مختلفة ) أشار به إلى أن الباري أخص من الخالق بحسب المفهوم فإنه في اللغة جاعل الشيء بريئا وإذا نسب إليه تعالى اعتبر ذلك والمراد من التفاوت عدم تناسب الأعضاء وتلاؤم الأجزاء بأن يكون أجل اليدين والقدمين في غاية صغر والدقة والآخر بخلافه فلا ينافي التمييز بالخواص والهيئات المختلفة بل ذلك عين البراءة من التفاوت فإن معناه كما علمت عدم تناسب الأعضاء وتناسب الأعضاء معتبر بالنسبة إلى صاحب الأعضاء فخلق الأشياء على صورتها وتشكلها الذي يطابق كماله فلأن التفات فيما يكن علماء البيان إنما يكون إذا كان التعبيران في كلام متكلم واحد وفيما ذكره هذا القائل التعبير بلفظ الغيبة في كلام موسى عليه السّلام وبلفظ الخطاب في كلام اللّه تعالى وأما ثانيا فلأن قوله تعالى : فَتابَ عَلَيْكُمْ [ البقرة : 54 ] إذا كان معطوفا على فعلتم المقدر لا يكون فيه التفات لوقوع التعبيرين في موضعين بطريق واحد وهو طريق الخطاب وفي الكشاف فإن قلت ما الفرق بين الفاءات قلت الأولى للتسبيب لا غير لأن الظلم سبب التوبة والثانية للتعقيب والثالثة متعلقة بمحذوف قال بعضهم وإنما قال لا غير لأن الثالثة أيضا للتسبيب فإن ما قبلها سبب لما بعدها لكنها تتعلق بمحذوف بخلاف الأولى فإنها للسببية من غير تعلق بمحذوف ثم قال ومنهم من تخيل أن معنى لا غير أنها ليست للعطف كما في قولهم الذي يطير فيغضب زيد الذباب ظنا منه بأن ابن الحاجب ذهب إلى أن الفاء في فبغضب ليست للعطف لأن المعطوف يجب أن يكون في حكم المعطوف عليه وكل ما يجب للمعطوف عليه يجب للمعطوف وههنا الضمير واجب للمعطوف عليه ولا ضمير في فبغضب فهذه الفاء ليست للعطف بل للسببية المحضة ولهذا لا يجوز الذي يطير ويغضب زيد الذباب وكلامه ليس على ما ظن بل المراد أن الفاء ليست لمجرد العطف بل للعطف مع معنى السببية كما صرح به الذي بصدد تحقيق كلام الكشاف ثم ذهب أن الفاء في هذا المثال ليست للعطف فما الدليل على أن الفاء في الآية ليست للعطف مع جواز أن يكون تُوبُوا [ هود : 3 ] عطفا على قوله إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ فإن كلا منهما مقول قول موسى وقال أكمل الدين أقول المنسوب إلى التخيل هو الفاضل الطيبي ولعل الظاهر العكس لأن وجود الجامع وحده لا يكفي للعطف بل لا بد له من فائدة العطف وهي القصد إلى التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه في الحكم الذي دل عليه إعراب المعطوف عليه فإن كانت الفاء للعطف كان القصد منه إلى تشريك قوله : تُوبُوا [ هود : 3 ] مع قوله : إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ [ البقرة : 54 ] في كونهما مقول قول موسى عليه السّلام وليس هو المقصود قطعا والمنازع مكابر ومع ذلك يشنع أن يقول بالجمع بينه وبين السببية لأنها في الأول حقيقة وفي الثاني مجاز لعلاقة التعقيب بين السبب والمسبب والجمع بينهما ليس مذهب صاحب الكشاف .