اسماعيل بن محمد القونوي

28

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

البعوضة إما في الجثة وهو الظاهر المتعارف ولهذا قدمه كالذباب والعنكبوت فإن جثتهما أكبر من جثة البعوض كأنه قصد به الخ وقال المنكرون الجاهلون اللّه تعالى أجل من أن يضرب الأمثال بالمحقرات من الذباب والعنكبوت كما قرره المص فيما سبق وفيه دفع اشكال بأنه ما فائدة ذكر ما فوقها بعد ذكر البعوض مع أنه علم حكمه على هذا التقدير بطريق دلالة النص فإنه علم عن عدم استحيائه تعالى ضرب المثل بالبعوضة عدم استحيائه تعالى بضربه بما فوق البعوضة بطريق الأولى فدفع بأنه من قبيل التتميم « 1 » كذكر الرحيم بعد الرحمن في الإثبات لأن رده قصدا بعبارة النص أولى وأقوى من الرد بدلالة النص وإنما قال كأنه إذ الاطلاع على القصد قطعا مشكل وغايته الظن والشك فلا يكون كأنه إشارة إلى الضعف وإنما قدمه أما أولا فلأن الزيادة كما أو كيفا إنما هي في الجثة والجسم وأما ثانيا فلأن احتمال الاستفهامية في لفظة ما في مَثَلًا ما [ البقرة : 26 ] إنما يناسبه هذا المعنى كما نبهنا عليه هناك . قوله : ( والمعنى أنه تعالى لا يستحيي ضرب المثل بالبعوضة فضلا عما « 2 » هو أكبر منه ) كأنه أشار إلى أن ما يدل أو عطف بيان من مثلا أو أراد تصوير المعنى وخلاصته لأجل المبني فضلا عما هو أكبر منه فإن عدم الاستحياء منه أولى وأحرى كما لا يخفى فذكر عدم استحيائه تعالى من ضرب المثل بالبعوضة مع أن ضرب المثل بها لم يقع صريحا لرد الجهلة القائلين بأن اللّه تعالى أجل من ضرب المثل بالذباب وبالعنكبوت حين مثل عبادة الأصنام ببيت العنكبوت وجمعها أقل من الذباب بطريق الأولوية . قوله : ( « 3 » أو في المعنى الذي جعلت فيه مثلا وهو الصغر والحقارة كجناحها ) عطف على قوله في الجثة فح الزيادة معنوية فح يكون من قبيل الترقي والمعنى أنه لا يستحيي ضرب المثل بالبعوضة التي هي مثل في الصغر كما وفي الحقارة كيفا بل لا يستحيي ضربه بأحقر منها فما ظنكم بما هو أكبر منها كالذباب والعنكبوت اللذين وقع الضرب بهما بالفعل وبملاحظة ذلك حصل رد ما استنكروه بأقوى رد وجه تأخيره مع أنه أوفق بالمحاورات لما

--> ( 1 ) فيه إشارة إلى تحقيق المقام وهو أن نفي الأدنى يدل على نفي الأعلى بطريق الدلالة لأن الترقي في النفي بنفي الأعلى ثم نفي الأدنى مثل فلان لا يستحيي أن يعطي سائله الدرهم ولا نصفه ولو عكس كما فيما نحن فيه يكون من قبيل التتميم لا الترقي وفي الاثبات الترقي بإثبات الأدنى ثم إثبات الأعلى نحو فلان يعطي سائله الدرهم بل الدينار ولو عكس لكان من قبيل التتميم كذكر الرحيم بعد ذكر الرحمن كما أشار إليه المص في تفسير البسملة فاتضح ما ذكر في أصل الحاشية فتذكر . ( 2 ) فضلا مفعول مطلق لفعل محذوف قيل فضلا بمعنى البقاء ففي قولنا فلان لا يعطي درهما فضلا عن الدينار أي بقي عدم اعطاء الدينار بقاء من إعطاء الدرهم كذا قيل وقد مر التفصيل فيه فتذكر . ( 3 ) الكشاف قدم هذا والمص جعله ثانيا لما ذكرنا وجه اختيار الزمخشري ذلك لأنه أوفق بسبب النزول وأبلغ ولأنه المعنى الذي سيق له الكلام ولأنه المطابق للمبالغة وهذه الوجوه كلها لا تقاوم الوجه الذي نظر إليه المص وأخره وهو كما عرفت أن ما إذا جعلت استفهاما فمعنى فَما فَوْقَها كونه ما زاد عليها في المعنى الذي الخ ليس بمستقيم فلا بدح من التخصيص حتى يستقيم المعنى فهذا الوجه وإن كان واحد أقوى لا يزاحمه ما ذكروه في توجيه مختار الزمخشري .