اسماعيل بن محمد القونوي

269

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

لربط الوعيد الشديد وهو قوله تعالى : وَاتَّقُوا يَوْماً [ البقرة : 48 ] الآية وجه إذ الوعيد المذكور للأبناء والتخويف لمن غفل عنها مختص بهم . قوله ( قبل أن يغيروا بما منحهم اللّه تعالى من العلم والإيمان ) وبهذا ظهر ضعف ما قيل إن تفضيل اليهود على الصحابة لا بأس به لأن أفضليتهم في الزخارف الدنيوية من المال والجاه إذ قد عرفت أن العلم والإيمان ( والعمل الصالح ) من جملة أسباب الأفضلية والصواب تخصيص العالم بعالم زمانهم كما عرفت ( وجعلهم أنبياء ) وهم مفضلون على الصحابة لكنهم ليسوا مفضلين على كمل الأنبياء لا سيما نبينا عليه السّلام فالعالمين لا بد أن يراد به عالمي زمانهم لأن يجري الكلام على ظاهره وعلى إطلاقه فإنهم وإن فضل بعض منهم على بعض سائر العالمين لكن بعض آخر من سائر العالمين مفضل عليهم ( وملوكا مقسطين ) أي عادلين . حيث المكان كما في الآية المستشهد بها وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ [ الأنبياء : 71 ] أي لأهل الشام وكقوله تعالى : الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ [ الإسراء : 1 ] ولا يجوز حمل الآية عليه وثالثها أن يختص بالبعض بحسب اختصاص أمر ما كما قاله الإمام ورابعها خص بحسب اعتبار الزمان قال محيي السنة على العالمين أي عالمي زمانهم وذلك التفضيل وإن كان في حق الآباء لكن يحصل به الشرف للأنبياء وقال الطيبي الحق هذا الوجه وقضية النظم شاهدة بذلك وبيانه أن الكلام إذا كرر وقد يكون تكريره للتأكيد ولما يناط به من زيادة ليست مع الأول على ما ذهب إليه الزمخشري كثيرا وههنا كرر نداؤهم بقوله يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [ البقرة : 40 ] فعلق به أولا النعمة التي اختصت بالذين شاهدوا حضرة الرسالة وأنزل إليهم ما يصدق ما معهم ومنحوا ما كانوا يتمنون من الاستفتاح على الكفار بنبي الرحمة وثانيا النعمة التي انعمها اللّه تعالى على أنبيائهم وأسلافهم من تفضيلهم على عالمي زمانهم بالعلم والحكمة والنبوة وبإنجائهم من فرعون وعقابه وفلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وغير ذلك فالواجب حمل الكلام على هذا لا على ما ذهب إليه صاحب الكشاف لئلا يختل النظر ويؤيده ما ذكره الزجاج ذكرهم اللّه تعالى نعمته عليهم في أسلافهم والدليل على ذلك قوله تعالى : وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [ البقرة : 49 ] والمخاطبون بالقرآن لم يروا فرعون ولا إله ولكنه ذكرهم أنه لم يزل منعما عليهم لأن انعامه على أسلافهم انعام عليهم والدليل عليه أن العرب تجعل ما كان لآبائها فخرا لها وما كان فيه ذم بعده عار عليها ثم قال الطيبي ولعل مراد صاحب الكشاف من تخصيص هذا بالمقام وتفسير العالمين بالجم الغفير من الناس لئلا يدخل الملائكة في العالمين حتى لا يلزم أن يكون البشر أفضل منهم كما ذهب إليه في قوله تعالى : وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ [ الإسراء : 70 ] إلى قوله : وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا [ الإسراء : 70 ] تفضيلا لأن بعض الأصحاب استدل بهذه الآية التي نحن بصددها على فضل البشر قال أكمل الدين نصره الزمخشري المراد بالعالمين بعضه لأن بني إسرائيل من العالمين قطعا وليسوا بداخلين في العالمين لئلا يلزم تفضيل الشيء على نفسه وليس محمد والأنبياء والصحابة بل والمؤمنون من أمة محمد صلّى اللّه تعالى عليه وسلم أيضا داخلين فيه أما محمد صلّى اللّه تعالى عليه وسلم فلأن المراد الأصلي في ذلك كله بمحمد واتباعهم له في دينه ولا يجوز للحكيم أن يجعل الفاضل تابعا للمفضول وأما المؤمنون من أمته فلئلا تتناقض هذه الآية وقوله تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [ آل عمران : 120 ] إلى