اسماعيل بن محمد القونوي
261
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الانتظار إلى النجاح أو الصوم والالتجاء إلى الدعاء والتضرع إلى اللّه تعالى في جلب النعماء ودفع البلوى ومرضه لأن المعنى الشرعي المتبادر هو الصلاة مع أنها جامعة للدعاء وسائر القربات وأنه لا يلائم قوله تعالى ( وإنها ) الآية ولا يلائم الحديث المذكور أيضا . قوله : ( أي وإن الاستعانة بهما ) فالمرجع هو المذكور معنى قدمه لشموله الصبر والصلاة على أي معنى أريد بهما فإن الاستعانة بهما إنما هي بفعلهما بل هي أخص من فعل الصبر والصلاة لأنها فعليهما على وجه الاستعانة بهما فالقول فإن الاستعانة في نفسها ليست بكبيرة ضعيف . قوله : ( أو الصلاة ) فالمرجع حينئذ هو المذكور لفظا وإنما أخره لما مر من أن الأول شامل لهما ( وتخصيصها برد الضمير إليها لعظم شأنها ) أي الصلاة مع أن الصبر مذكور معها قوله ( واستجماعها ضروبا ) أي أنواعا ( من الصبر ) وهو كف النفس عن الأطيبين وحث النفس على كثير من المبرات ولو قيل إن الضمير راجع إلى الخصلة الشاملة للصبر والصلاة لم يبعد وأما القول بأنه ولك أن تقول إن رد الضمير إليها ليس بطريق التخصيص بل بطريق الكناية عن الأغلب اكتفاء به كما في قوله تعالى : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها [ التوبة : 34 ] الآية فليس بتام لأن الأغلب هو الصبر فإنه متحقق في الصلاة وسائر القربات وفي المنكرات والبليات ( أو جملة ما أمروا به ونهوا عنه لكبيرة لثقيلة شاقة كقوله تعالى : كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ) [ الشورى : 13 ] أشار إلى أن كبر إذا عدي بعلى يكون بمعنى شق وثقل إما حقيقة لغوية أو حقيقة عرفية نقل عن الأساس أنه قال في قسم الحقيقة كبر ذلك علي إذا شق عليك وهذا يدل على أنه حقيقة لغوية ظاهرا وإن وغيرها قيل كان ذلك لولا قوله وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ فإن الصلاة بمعنى الدعاء إن كان ضمير إنها راجع للصلاة أو الاستعانة بالجمع بينهما ليست بشاقة ثقيلة على غير الخاشعين أيضا . قوله : وتخصيصها برد الضمير إليها لعظم شأنها واستجماعها ضربا من الصبر فإن الصلاة أرفع منزلة من الصبر لأنها تجمع ضروبا من الصبر إذ هي حبس النفس على العبادة وحبس الخواطر والأفكار على الطاعة ولهذا قال تعالى وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ وأما الصلاة التي تخف على غير الخاشع فمسماة باسم الصلاة وليست في حكمها بدلالة قوله عز وجل : إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [ العنكبوت : 45 ] وقل ما ترى صلاة غير الخاشع تنهى عن الفحشاء والمنكر ونظيره في رد الضمير وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها [ الجمعة : 11 ] أعيد الضمير إلى التجارة دون اللهو لما كانت سببا للانفضاض لكن الظاهر رجوع الضمير إلى مصدر استعينوا على ما هو الوجه الأول لاحتياج الثاني إلى التأويل . قوله : أو جملة ما أمروا بها عطف على الاستعانة والصلاة أي وجملة ما أمر بنو إسرائيل به من قوله : اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ [ البقرة : 40 ] إلى قوله : وَاسْتَعِينُوا [ البقرة : 45 ] وفيه إشارة إلى أن الخطاب باستعينوا أيضا لبني إسرائيل على ما هو ظاهر النظم لا للمسلمين لما فيه من تفكيك النظم كما ذكره الإمام رحمه اللّه وجه الإشارة إلى ذلك جعل الاستعانة بهما وادراجها في جملة الأوامر والنواهي المتقدمة الواقعة لخطاب بني إسرائيل خاصة .