اسماعيل بن محمد القونوي

26

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

ولذا تركه المص وأشار إلى رده بحصر هذه الاحتمالات على قراءة الرفع موصولة حذف صدر صلتها أي الذي هو بعوضة ثم أيده بقوله كما حذف في قوله تعالى تماما على الَّذِي أَحْسَنَ [ الأنعام : 154 ] في قراءة أحسن اسم التفضيل مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو أحسن وأما على قراءة أحسن فعلا ماضيا فلا حذف وكذا الكلام في قوله وموصوفة بصفة كذلك حذف صدر صفتها ومحلها أي محل ما النصب بالبدلية من مثلا على الوجهين موصولة أو موصوفة جوز هنا بدليته ولم يتعرض لكونه عطف البيان كأنه اختار صنعة الاحتباك وأما البدل فلكونه غير مقصود وبالنسبة فلا يناسب اختياره فمدفوع بأنه أكثري لا كلي نعم الاكتفاء بكونه عطف البيان في مثله أولى وأحرى . قوله : ( واستفهامية هي المبتدأ كأنه لما رد استبعادهم ضرب الأمثال قال بعده ما البعوضة فما فوقها حتى لا يضرب به المثل بل له أن يمثل بما هو أحقر من ذلك ونظيره فلان لا يبالي بما يهب ما دينار وديناران والبعوض فعول من البعض وهو القطع كالبضع قوله : كالخموش بفتح الخاء المعجمة البعوض على لغة هذيل والخموس الخدوش . قوله : كأنه لما رد استبعادهم الخ قال صاحب الكشاف ووجه آخر حسن جميل وهو أن يكون التي فيها معنى الاستفهام لما استنكفوا من تمثل اللّه لأصنامهم بالمحقرات قال إن اللّه لا يستحيي أن يضرب للأنداد ما شاء من الأشياء المحقرة مثلا بل البعوضة فما فوقها كما يقال فلان لا يبالي بما وهب ما دينار وديناران والمعنى أن للّه أن يتمثل للانداد وحقارة شأنها بما لا شيء أصغر منه وأقل إلى آخر ما ذكره يعني أن الكفار لما استنكروا ضرب المثل بالذباب والعنكبوت قيل لهم إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً [ البقرة : 26 ] فضلا عما يقولونه وهو المثل بالذباب والعنكبوت وعليه مثال الدينار والدينارين قال صاحب الانتصاف لا يستقيم المعنى على ما أشار إليه الزمخشري لأن هذا الاستفهام إنما يقع للانكار تنبيها بالأدنى على الأعلى كما تقول فلان يعطي الأموال ما الدينار وما الديناران وأما ههنا فهو أنكر واضرب المثل بالذباب فلا يستقيم فما فوقها في الصغر أو في الكبر على اختلاف التأويل تنبيها بالأقل على الأكثر إذ هي فما فوقها الأكثر في الحقارة ولا نجد لتصحيح المعنى وجها وإنما أطلت لأنه موضع ضيق يبعد فهمه وحسبك بمعنى انعكس فيه فهم الزمخشري وقال صاحب الانصاف لو تأمل كلامه لوجد جواب اعتراضه فيه لأنه قال أجيبوا بأن اللّه لا يستحيي أن يضرب مثلا وهو نكرة في سياق النفي فيعم كل مثل على اختلاف أنواعه من اللّه تعالى فما البعوضة أي الكل في الجواز سواء فما البعوضة فما دونها في الحقارة إذ المبالغة في تقليله لا يخرج عن كونه مثلا فالكل جائز ولا يلزم في الاستفهام بما أن يكون من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى وقد يكون للإنكار على من سمع قاعدة قد تقررت فسأل شيئا من جزئياتها وقال لم جاز هذا مع وضوح الدليل على جواز الكل وأشير إلى أن الجمع عليه واحد وليس بعجب ما وهم فيه من ضيق مجال هذا البحث وقال الطيبي كلام صاحب الانصاف يشعر بأن قوله تعالى : ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها [ البقرة : 26 ] للاستيعاب والشمول سواء اعتبر الصغر أو الكبر . قوله : كالبضع والعضب يعني التركيب دائر على معنى القطع فإن البعض قطعة من الشيء يقال بعضه أي جعله قطعا أو قطعتين والبضع القطع يقال بضع اللحم أي قطعه وبضع الجرح أي شقه والعضب السيف القاطع من عضبه يعضبه بالكسر أي قطعه .