اسماعيل بن محمد القونوي
254
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
يأمرون سرا من نصحوه باتباع محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ولا يتبعونه وقيل كانوا يأمرون بالصدقة ولا يتصدقون ) فحينئذ يكون الخطاب لأحبارهم والمراد بالبر البر المخصوص وهو اتباع النبي عليه السّلام مع عدم اتباعهم أو الأمر بالصدقة مع ترك التصدق كما أن الخطاب بقوله تعالى : وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي [ البقرة : 41 ] الآية إلى هنا للأحبار وبهذا ظهر ارتباط هذه الآية بما قبله واختير الفصل تنبيها على أنه نوع آخر من الكلام سيق لتوبيخ اللئام والقول لاختلافهما إنشاء وخبرا معنى فإن قوله أَ تَأْمُرُونَ [ البقرة : 44 ] لكونه للتقرير خبر معنى منظور فيه لأنه كونه للتقرير لا يخرجه عن الإنشائية . قوله : ( تبكيت ) وإسكات أي ليس الحال هنا كما في وَتَكْتُمُونَ [ آل عمران : 71 ] للتقييد والاحتراز بل لزيادة التقبيح وإلزام الخصم إذ قد عرفت أن التجاسر على المناهي مع العلم بقبحها أقبح وأشنع فإن الجاهل قد يعذر ( كقوله تعالى وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) [ البقرة : 22 ] فإن التقييد فيه للإلزام لا للاحتراز . قوله : ( أي يتلون التورية ) وتقرؤونها مع العلم بما فيها أشار إليه بقوله ( وفيها الوعيد على العناد وترك البر ومخالفة القول العمل ) وهذا إنما يفيد للأحبار دون الجهلة الأشرار ونبه به على أن المراد بالكتاب التورية بقرينة الخطاب لليهود وإن كان في عرف الشرع يراد به القرآن ما لم تقم قرينة على خلافه أَ فَلا تَعْقِلُونَ [ البقرة : 44 ] أي ألا تتفكرون فلا تعقلون فهو عطف على محذوف مدخول الاستفهام أو أصله فألا تعقلون عطفا على ما قبله بالفاء التعقيبية قدمت الهمزة لاقتضاء الصدارة على الفاء فقيل أَ فَلا تَعْقِلُونَ فلا حذف حينئذ . قوله : ( قبح صنيعكم ) أي المفعول محذوف والقرينة على تعيين المحذوف واضح قوله : وقيل كانوا يأمرون بالصدقة ولا يتصدقون وعلى هذا يكون المراد بالبر الإحسان والصدقة تبكيت كقوله : وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [ البقرة : 22 ] أي من جملة وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ حال من فاعل تأمرون وتنسون واردة أيضا لتبكيتهم والزامهم والمراد بالكتاب التورية وفيها وعيد على العناد وترك البر ومخالفة القول العمل فبكتوا به على مخالفة أقوالهم لأعمالهم حيث عاندوا وتركوا البر ويختلف تقدير هذه الجملة الحالية أيضا باختلاف تفسير البر ونسيان أنفسهم فإن فسر البر بالإيمان واتباع شريعة محمد صلّى اللّه تعالى عليه وسلم يكون المعنى أتأمرون الناس باتباع محمد صلّى اللّه تعالى عليه وسلم وأنتم لا تتبعونه والحال أنكم تجدون في كتابكم نعته ووجوب اتباعه عند بعثته وإن فسر بالصدقة يكون المعنى أتأمرون الناس بالصدقة ولا تعطونها أنتم وأنتم تجدون فيما تتلونه من كتابكم التورية مشروعية الصدقات . قوله : قبح صنيعكم هذا على أن يكون تعقلون مرادا به تعلقه بمفعول وقوله أو أفلا عقل لكم على أن ينزل منزلة اللازم وعلى التقديرين الاستفهام فيه للتوبيخ وفي الكشاف هو توبيخ عظيم بمعنى أفلا تفطنون لقبح ما أقدمتم عليه حتى يصدكم استقباحه عن ارتكابه وكأنكم في ذلك مسلوبو العقل لأن العقول تأباه وتدفعه إلى هنا كلامه وفي قوله مسلوبو العقل إشارة إلى الوجه الثاني المبني على جعل العقل منزلا منزلة اللازم ولم يتعرض الزمخشري لتفسير يعقلون على الوجه الأول لأن الثاني اقضى لحق البلاغة لما فيه من المبالغة ما ليس في الأول لدلالته على أن