اسماعيل بن محمد القونوي

252

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

أنهم ينسون أنفسهم وللإنكار أي لإنكار الواقع بمعنى أنه مما لا ينبغي أن يقع أي الأمر بالبر ونسيان أنفسهم واقع منهم البتة لكن وقوعه ليس بلائق فالجمع بين المعنيين بالاعتبارين مما لا بأس به ولك أن تقول التقرير معنى الهمزة المراد هنا والتوبيخ والتعجيب منفهم من عرض الكلام وفحواه « 1 » فإن هذا التقرير لما لم يكن تقرير أمر حسن فهم بمعونة ذلك التوبيخ والتعجيب وهذا أولى من القول باستعمال اللفظ في معنيين مجازيين بل في المعاني المجازية وإدخال مع في التوبيخ إشارة إلى أنه المقصود من الكلام ومعنى التقرير لكونه ذريعة إليه ولما كان إهمال المرء نفسه في التكميل مع سعيه في تكميل غيره خصوصا مع علمه بقبحه أمرا عجيبا ونهاية في الشناعة بحيث كان من شأنه أن يتعجب كل أحد قال ( وتعجيب ) أي الحمل على التعجب سواء تعجبوا بالفعل أو لا فلا يضر ذلك كون المخاطبين عارفين بحالهم وأنهم يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم إذ قد عرفت أن المراد أن هذا من شأنه أن يتعجب كل أحد ولا يجب أن يقع بالفعل منهم إذ التعجب من السامعين بحالهم كاف على أن معرفة حالهم كونها مضرا للتعجب منهم غير مسلم وظهر من هذا التقرير أن التوبيخ والإنكار راجع إلى النسيان لا إلى أمر الناس بالبر ولا إلى مقارنة إلى النسيان المذكور يؤيده قوله الآتي فإن الإخلال بأحد الأمرين الخ . قوله : ( والبر التوسع في الخير من البر ) فيكون أخص من الخير من البر ضد البحر ( و ) لهذا قال ( وهو الفضاء الواسع ) « 2 » لما كان في المأخذ معتبرا الوسعة اعتبر في البر التوسع في الخير ( يتناول كل خير ) بالاشتراك المعنوي ومعناه يطلق على كل واحد واحد منه لا أن المراد أنه يراد منه الخير من حيث المجموع ومعلوم بالبداهة أنهم لا يأمرون بكل خير ولو أريد العموم لكان مستفادا من اللام في البر لجواز حملها على الاستغراق العرفي ويؤيده ما قاله السدي إنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة اللّه تعالى وينهونهم عن المعصية وهم كانوا يتركون الطاعة ويقومون على المعصية انتهى والنهي عن المعصية لما كان مستلزما للأمر بضدها لم يتعرض في النظم الكريم النهي عن المعصية مع ارتكابهم إياها . قوله : والبر التوسع في الخير وفي الكشاف البر سعة الخير والمعروف ومنه البر لسعته ويتناول كل خير ومنه قولهم صدقت وبررت يعني قولهم هذا في جواب المؤذن حيث قال الصلاة خير من النوم المعنى صدقت وأوسعت في الخير حين نفعت به خلقا كثيرا وهم السامعون لأذانه وقيل معناه صدقت وبررت في صدقك كما يقال كذبت وفجرت أي فجرت في كذبك .

--> ( 1 ) حاصله أن دلالته على التقرير بالمطابقة وعلى الأخيرين بالالتزام . ( 2 ) واختار المصنف كون البر مع كونه مصدرا من البر بفتح الباء بكونه اسم عين إذ التوسع في البر اظهر وبيان أخذه منه التنبيه على التوسع وإليه أشار بقوله من البر وهو الفضاء الواسع وأما ما اختاره صاحب الكشاف من عكسه فلا يعرف له وجه معنى وإن كان المصدر أصلا في الاشتقاق .