اسماعيل بن محمد القونوي
203
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
فمقتضى الظاهر إذا الآية محتمل في نفسه الوقوع واللاوقوع لأنه تعالى إن شاء هدى « 1 » وإن لم يشأ لم يهد فإنه غير واجب عقلا إذ لا يجب عليه تعالى شيء وهذا أصل وضابط في استعمال إن في كل موضع يحتمل الشيء في نفسه الوقوع واللاوقوع مع أنه واقع لا محالة لسبب كتعلق علمه تعالى به وهنا لما علم من كمال لطفه ورحمته أن الإنسان لم يترك مهملا وأن العقل وحده غير كاف في معرفة كل الأحكام أشار إلى وقوعه بتأكيده بما ثم تأكيد الفعل بالنون وترك مسلك الزمخشري لأنه بناء على مذهب المعتزلة من التحسين والتقبيح العقليين . قوله : ( وكرر لفظ الهدى ولم يضمر ) أي كرر بحسب الظاهر وإلا فلا تكرار ( لأنه أراد بالثاني أعم من الأول ) والعام غير الخاص ( وهو ما أتى به الرسل ) بالمعنى الأعم أي الأنبياء عليهم السّلام ( واقتضاه العقل ) أي أن ما أتى به الرسل واجب الاتباع إذا لم يخالف ظاهره بالدليل العقلي وإلا فهو واجب التأويل فلا يعمل بظاهره إذ الدليل العقلي أصل يرجع إليه فإن وافقه الدليل السمعي يعمل به وإلا فيأول كالآيات الناطق ظاهرها بما يستحيل على اللّه تعالى بالدليل العقلي فإنها لا يتبع ظاهرها بل يأول بتأويل يوافق قضية العقل وقاعدة إن النكرة إذا أعيدت معرفة تكون عين الأول أصل يعدل عنه كثيرا . الثاني مع جوابه وإنما جاء بالشك في إما يأتينكم للايذان بأن الوجوب وخوف العقاب إنما يكون بعد البعثة وللدلالة على أنه لا يجب على اللّه سبحانه وتعالى رعاية الأصلح . قوله : ولم يضمر لأنه أراد بالثاني أعم يعني كرر الهدى وضعا للظاهر موضع المضمر لسبق ذكر الهدى والقياس أن يقال فمن تبعه لأن المراد بالثاني غير ما أريد بالأول فإن الأول هدى خاص وهو الهدى ببعثة الرسل وإنزال الكتب وبالثاني الهدى انعام منه ومن إرشاد العقل أي فمن اتبع ما آتاه من الكتب المنزلة وراعى فيه ما يشهد به العقل فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ [ البقرة : 38 ] الآية ادمج في تفسير الآية بيان الفرق بين الخوف والحزن أي فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من حلول مكروه متوقع لهم وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ من فوات ما عندهم من محبوب أي لا يعتريهم خوف وحزن فضلا عن أن يقع المخوف عنه والمحزون منه أقول ما ذكره من نكتة تكرير الهدى خلاف الظاهر والظاهر أن المراد بالثاني عين الأول يشهد بذلك إضافة الهدى إلى ياء المتكلم لأن ذلك هو المناسب لقوله مني هدى وأيضا إذا كان الثاني غير الأول بأن كان أعم منه يبقى الجزاء خاليا عن الرابط له بالشرط فإنه إنما يرتبط بالشرط لو كان الثاني عبارة عن الأول لكونه حينئذ بمنزلة أن يقال فمن تبعه فعلى هذا يكون ذكر لفظ الهدى موضع ضميره للتشريف بالإضافة والاشعار بأن هدى اللّه هو الهدى كما قال عز وجل قل إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وحثا للمكلفين على الاهتداء بهداه الذي لا هدى دونه ويعضده ما قال بعض الأفاضل اتيان الهدى في الثانية من وضع الظاهر موضع المضمر للعلية فدل على أن الهدى بالنظر إلى ذاته واجب الامتناع وبالنظر إلى أنه أضيف إلى اللّه إضافة تشريف أحرى وأحق أن يتبع .
--> ( 1 ) وقيل الهدى مجزوم الوقوع لكن مشكوك الوقوع من حيث العقل أي العقل لم يستقل في العلم بوقوعه بل لا بد من أن يستمع النبي عليه السّلام فاستعمل إن في الآية مجازا انتهى .