اسماعيل بن محمد القونوي

191

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

استئناف بيان وجه صحة الجمع فكأنهما الجنس كله لكونهما حاملين له كأنه قيل اهبطوا أي أنتما ومن في أصلابكما مثل قوله تعالى : حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ [ الحاقة : 11 ] قال المصنف هناك أي آباءكم وأنتم في أصلابهم فإذا نزل أصل الجنس منزلة كله فالخطاب له خطاب للكل الشامل على الأصل والفرع ولا نزاع في صحته هذا مقتضى كلامه ويوجه مثل هذا الكلام بأنه من باب تغليب الموجود على المعدوم ويمكن حمل كلامه عليه ومثل هذا الخطاب مجاز وعند الحنابلة حقيقة كما حقق في الأصول وأما تغليب الحاضر على الغائب فلا إذ لا غائب هنا موجود ( لأنهما أصلا الإنس فكأنهما الإنس كلهم ) . قوله : ( أو هما وإبليس اخرج منها ثانيا بعد ما كان يدخلها للوسوسة ) فحينئذ الجمع ظاهر لكن دخول إبليس ثانيا مما يناقش فيه كما عرفته ( أو دخلها مسارقة ) بعيد جدا . قوله : ( أو من السماء ) عطف على قوله منها وفيه نوع بعد لأن الإخراج حينئذ ليس على نسق واحد لأن هبوطهما « 1 » من الجنة وهبوطه من السماء . قوله : ( حال استغني فيها عن الواو بالضمير والمعنى متعادين ) وإنما كان حذف الواو هنا فصيحا دون « أو هم قائلون » لأن الحال هنا مأولة بالمفرد أشار إليه بقوله متعادين يفسر بعضه بعضا فوجه ضمير الجمع حينئذ كونهما أصلا الانس فكأنهما الجنس كلهم قال صاحب الكشاف والدليل على أن الخطاب لآدم وحواء والمراد هما وذريتهما قوله تعالى : اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [ طه : 123 ] ويدل عليه قوله تعالى : فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ [ البقرة : 38 ، 39 ] وما هو إلا حكم يعم الناس كلهم تم كلامه قال بعضهم وإنما قال ويدل ولم يكتف أن يقول وقوله لأن كلامه مشتمل على دعوتين أن الخطاب لآدم وحواء وأن المراد هما وذريتهما والآية الأولى تدل عليهما جميعا وأما الثانية فلا تدل إلا على الدعوى الثانية فلهذا فصل بينهما بقوله ويدل قوله أو دخلها مسارقة أي خفية من رضوان بواب الجنة روي أنه أراد الدخول فمنعه الخزنة فدخل في فم الحية حتى دخلت وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [ الأعراف : 95 ] . قوله : أو من السماء عطف على منها في قوله خرج منها أي اخرج من السماء على أن وسوسته إنما كانت من السماء خارج الجنة على ما قيل إنه كان يدنو من السماء فيكلمهما فيكون المراد من الهبوط في حقهما الهبوط من الجنة وفي حق إبليس الهبوط من السماء فاهبطوا يجمع الهبوطين ويشملهما . قوله : والمعنى منقادين وفي الكشاف ومعنى بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ما عليه الناس من التعادي والتباغي وتضليل بعضهم لبعض هذا على أن تكون الجملة حالا من فاعل اهبطوا على أنها حال مقدرة قال الطيبي قوله وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ حال مقدرة أيضا ويجوز أن تكون جملة استئنافية على تقدير سؤال وكذا قوله : وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ [ البقرة : 36 ] .

--> ( 1 ) هبط لازم ومتعد ومصدر المتعدي الهبط ومصدر اللازم الهبوط وهو النزول من علو إلى سفل وهنا استعمل لازما .