اسماعيل بن محمد القونوي
173
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ [ الأعراف : 12 ] الآية وكل من خلق من نار فهو جن ( نشأ بين أظهر الملائكة ) أظهر مقحم أي بين الملائكة لحكمة دعت إليه وقد أعطي الرياسة والخزانة في الجنة وإلى ذلك أشار بقوله ( وكان مغمورا ) أي مستورا ( بالألوف منهم ) بالألفة ولما كان هذا وجها مصححا للتغليب قال ( فغلبوا عليه ) بالفاء فباعتبار التغليب يتناوله الأمر وصار الاستثناء متصلا بلا ادعاء أنه من الملائكة حقيقة بل يكفي كونه منهم مجازا فإن التغليب من المجازات كما صرح به في المطول . قوله : ( أو الجن أيضا كانوا مأمورين مع الملائكة ) أخره لأن الوجه المذكور وإن دل على كونهم مأمورين لكن لم ينقل أن الجن سجدوا لآدم وأيضا سبب سجود الملائكة كما عرفت مفصلا ليس بمتحقق في الجن وهذا يزاحم ما ذكر من أن الأصاغر أيضا الخ . لكن عدم النقل لا يقتضي العدم وأيضا السبب غير منحصر فيما ذكر من تعليم آدم الخ . ومن ههنا جوز هذا مرجوحا فقال أو الجن أيضا الخ . ولم يتعرض للتغليب هنا لعدم حسنه هنا بخلاف ما سبق فإنه بين وجه حسنه بقوله نشأ بينهم الخ . وهذا منتف في جميع الجن لكن لا كلام في جوازه بل لا يبعد أن يقال وهذا من قبيل الاحتباك « 1 » فإن الظاهر أن مراده أنه الثانية كان منقطعا وقال بعض الأفاضل من شراح الكشاف تحقيق الكلام في هذا الاستثناء أن إبليس لم يكن من الملائكة لقوله كانَ مِنَ الْجِنِّ [ الكهف : 50 ] وإذا لم تكن منهم لم يكن مأمورا بالسجود ومن لم يكن مأمورا بشيء لم يكن بتركه عاصيا وهو واضح لكنه عد عاصيا وجوابه أنه لا نسلم أنه إذا لم يكن منهم لم يكن مأمورا بالسجود لأن الملائكة أشرف منه لا محالة والأشرف إذا كان مأمورا بتعظيم شيء فدونه أولى لا محالة فجعل داخلا فيهم بالتغليب وداخلا تحت أمرهم ويكون الاستثناء من ضمير فسجدوا متصلا لأنه كناية عن المأمورين وهو منهم تغليبا وهذا الوجه أقوى ولهذا قدمه الزمخشري وأما إذا جعل منقطعا فلم يكن داخلا في ضمير فسجدوا لكنه هل يعتبر داخلا في الملائكة أو لا والثاني يستلزم عدم العصيان بترك السجود والأول تفكك الضمير المستلزم للتعقيد ثم قال ويمكن أن يقال للملائكة المذكورة ههنا معنيان معنى بحسب متناولة بالتغليب ويعود إليه ضمير اسجدوا ومعنى بحسب حقيقته ويعود إليه ضمير فسجدوا فيكون مأمورا بالسجود وعاصيا لعدم دخوله في فسجدوا وهذا كما ترى من باب الاستخدام قال الإمام لما استثنى إبليس من الساجدين وكان يحتمل أن يظن أنه كان معذورا في ترك السجود فبين تعالى أنه لم يسجد مع وجود القدرة وعدم العذر بقوله أي لأن الإباء وهو الامتناع مع الاختيار ثم إنه قد يجوز أن يكون كذلك بدون الكبر فبين أن ذلك الإباء مع الاستكبار ثم جاز أن يكون الاستكبار والإباء مع عدم الكفر فبين أنه كفر وعلى هذا لا يكون قوله وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ تذييلا بل عطفا للتقييد .
--> ( 1 ) وإنما قال فإن الظاهر الخ إذ يحتمل أن يكون مراده أن في الكلام حذفا يدل عليه المذكور والفرق بينهما أن في صورة دلالة النص لا حذف بل المذكور يدل عليه بدلالة النص وفي صورة الحذف بدل المذكور على اللفظ المحذوف ثم اللفظ المذكور يدل على المعنى بإحدى الدلالة الأربعة كذا في التوضيح في أواخر بحث مقتضى النص وإلى كلا الاحتمالين أشرنا هنا فلا تغفل .