اسماعيل بن محمد القونوي

137

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

أجزاء مختلفة ) وهي العناصر الأربعة لعل إسقاطها هو الأولى أما أولا فلأنه يخالف ظاهرا قوله : خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ [ الرحمن : 14 ] وأما ثانيا فلأنه لا مدخل لها في الغرض ( وقوى متباينة ) وهي القوة العقلية والشهوية والغضبية كما مر تفصيله وهذه القوى الثلاثة منتفية في الملائكة سوى العقلية وهذا مراد المصنف ( مستعدا لإدراك أنواع المدركات من المعقولات ) بواسطة القوة العقلية والمعقولات المستفادة من الحس بعضها غير متحقق في الملائكة نحو كل عسل حلو وكل خل مر وغير ذلك من المستفادة من القوة الذائقة ولذا قيل من فقد حسا فقد فقد علما ( والمحسوسات ) أي الجزئيات المحسوسة بالقوة الباصرة كالبياض والسواد وبالسامعة كالصوت وبالشم رائحة الشيء وباللمس يدرك باللينة والخشونة والحرارة والبرودة وبالذائقة الطعم حلوه ومره وهذا الأخير منتف في الملائكة ( والمتخيلات ) من الصور الجزئية المخزونة في الخيال بعد إدراك الحس المشترك بواسطة الحواس الظاهرة وهذا أيضا مختص بالإنسان فإن القوة الباطنة تحققها في الملائكة بعيد ( والموهومات ) المدركات بالقوة الوهمية من المعاني الجزئية المنتزعة من المحسوسة وهذا لا يتحقق فيهم كيف لا وقد صرح المصنف في تفسير قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [ النحل : 90 ] الآية . إن البغي والتجبر على الناس إنما هو مقتضى القوة الوهمية . قوله : ( وألهمه معرفة ذوات الأشياء ) لما كانت معرفة الدوال من حيث هي دوال مستلزمة لمعرفة المدلول قال وألهمه الخ إذ مجرد معرفة الأسماء بدون معرفة مدلولها متحقق في الملائكة أيضا ولا يتم أمر الخلافة بمجرد معرفة الألفاظ والمعنى وألهمه إما بخلق علم ضروري أو إلقائه في قلبه مجموع ذلك من معرفة ذوات الأشياء أي حقيقتها الْأَسْماءَ كُلَّها [ البقرة : 31 ] خلقه قابلا لأن يعلم الأسماء حيث جعل تركيبه على وجه خاص روعي فيه صنوف دقائق الحكم والأسرار المدهشة للعقول والأفكار حتى أدى ذلك الوجه الخاص إلى استعداده للعلوم العالية والصناعات الغريبة والأفعال الدقيقة العجيبة إلى آخر ما ذكره في الكتاب وما لم يذكره فعلى هذا يكون علم مجازا مرادا منه الخلق على هذا الوجه الخاص لا حقيقته حيث جعل التمكين للعلم تعليما وهذا يستدعي أن يكون قوله تعالى : أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ [ البقرة : 33 ] بعد برهة من زمان يسع فيه أن يضع آدم لكل شيء اسما ويحفظ الأسماء كلها ويقدر على التعيين عن كل شيء باسمه الموضوع هو له وأن يكون أبناء آدم عن الأسماء وقوله تعالى للملائكة أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ [ القلم : 28 ] الآية بعد مضي ذلك الزمان فإن قيل لم لا يجوز أن يلهمه اللّه تعالى جميع الأسماء في ساعة واحدة أو زمان يسير قلنا هب أنه تعالى قادر لا يفوت مثل ذلك وما فوقه عن قدرته النافذة لكن آدم والملائكة في ذلك سيان والمفهوم المأخوذ من جميع قصة آدم عليه الصلاة والسّلام أن في خلقة آدم وطبعه الذي خلق عليه إذا خلى وطبعه من الخواص والمزايا ما ليس في جبلة الملائكة ولذلك فضل هو عليهم وفي قوله مستعدا لأنواع المدركات من المعقولات والمحسوسات إيماء إلى أن الملائكة لا يحيط علمهم بالجميع حيث لا يدركون الجزئيات صور أو معاني على ما هو رأي الحكماء .