اسماعيل بن محمد القونوي
116
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
كثير فليس من الحكمة ترك المطر الذي به حياة العالم لئلا ينهدم به دور معدودة أو لئلا يتألم به سابح في البحر ومسافر في البر ويرشدك إلى ذلك أنه إذا لدغ إصبع إنسان وعلم أنه إذا قطعت سلم باقي البدن فإنه يأمر بقطعها إذ سلامة البدن خير كثير يستلزم شرا قليلا كذا في المواقف وشرحه فاتضح معنى قوله ( فإن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير ) إلى آخره إلى غير ذلك مثل بيان فضل العلم والعالم على العبادة والعابد وبيان أن الخلافة إنما تتم بالقوى الثلاثة دون القوة العقلية فقط وأن الخلافة غير مشروطة بالعصمة وإنما الشرط العلم بمراسم السياسة وإقامته وما ذكره الزمخشري من صيانة الملك عن اعتراض الشبهة في وقت الاستخلاف داخل في قوله ( إلى غير ذلك ) ولم يتركه المص حتى يطلب له نكتة وعدم ذكره صريحا لو كان محتاجا إلى علة لكان الباقي المشار إليه بقوله إلى غير ذلك محتاجا إليها أيضا والقول بأنه إنما تركه لأن الملائكة معصومون عن الاعتراض في جميع الأوقات ليس بشيء لأن قولهم أتجعل حمل على الاستكشاف فلو صدر منهم مثل هذا وقت الاستخلاف لحمل أيضا على طلب إزاحة شبهتهم وهذا مع وضوحه أطنب فيه الكلام بعضهم ( قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ ) . قوله : ( تعجب من أن يستخلف لعمارة الأرض وإصلاحها من يفسد فيها ) لم يبين جملة قالوا الخ وهي استئناف كأنه قيل فماذا قالت الملائكة فقيل قالوا ولما لم يكن السؤال عن سبب خاص أو مطلق ترك التأكيد واختيرت الجملة الفعلية ومفعوله الثاني وهو خليفة محذوف بقرينة ذكره في الأول والظرف الأول متعلق بتجعل والثاني بيفسد وفائدة تكرار الظرف تأكيد الاستعجاب وتقرير الاستخبار وأما القول للدلالة على الإفراط في العناد فخارج عن صوب السداد وقيل الجعل بمعنى الخلق فيكون من مفعوله ولا يحتاج إلى التقدير وهو هنا ليس بمستقيم لأن مدار تعجبهم أن يستخلف في الأرض لا خلق من يفسد فيها إذ لا يصح دعوى الأحقية بالخلق منه والحال أنهم مخلقون بل دعويهم الأحقية بالخلافة اللهم إلا أن يقال إنهم بالغوا فقالوا أتجعل أي أتخلق من يفسد فإن خلقه لا يناسب الحكمة على ما في ظننا فضلا عن الخلافة وأنت خبير بأن مثل هذه المبالغة لا قوله : فإن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير مثاله ترك سلامة جميع البدن خوفا عن ترك عضو فيه أكلة فإنه ترك خير كثير لأجل شر قليل إذ لو لم يقطع ذلك العضو سرت تلك الآفة إلى جميع البدن وأدت إلى الهلاك الذي هو شر كثير . قوله : إلى غير ذلك تعميم لفوائد قوله تعالى ذلك للملائكة وبيان أن فوائده غير منحصرة فيما ذكر . قوله : تعجب من أن يستخلف لعمارة الأرض وإصلاحها من يفسد فيها ويستخلف مكان أهل الطاعة أهل المعصية وكلاهما محل تعجب فإن تفويض أمر الإصلاح إلى من ركز في جبلته الافساد وإذهاب أهل الخير من مسكن وإسكان أهل الشر مقامه مما يتعجب فيه قبل الوقوف على حكمته وتعرف سره .