اسماعيل بن محمد القونوي

110

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

لمحبتهم المكث فيها كما نقلناه عن صاحب آكام المرجان فبفرط شفقتهم المكث فيها نزل علمهم بذلك منزلة عدم العلم به فأخبر إني جاعل خليفة كائنا في الأرض بدلكم قطعا لتمنى إقامتهم فيهم فبملاحظة النكتة الرشيقة ظهر أن ما اختاره المصنف مما يقتضيه المقام ويتم به المرام فلا يرد إشكال صاحب الإرشاد تبعا للأوهام ( اعمل فيهما لأنه بمعنى المستقبل على مسند إليه ) . قوله : ( ويجوز أن يكون بمعنى خالق ) فحينئذ له مفعول واحد وفي الأرض ظرف متعلق به وإنما أخره لأن الأول أبلغ إذ الخلق فيه معنى التقدير والجعل فيه معنى التصيير التضمين كما بينه في أوائل سورة الأنعام وقيل وقدم الأول لظهوره بقرينة جواب الملائكة فإنه صريح في علمهم بشأن الخليفة المستلزم للعلم بوجوده وطريق علمهم ما سيذكر عن كتب انتهى . ولا يخفى أن الجعل في جواب الملائكة يحتمل المعنيين فلا يكون قرينة على أحدهما وفيه رد لمن قال هذا الاحتمال يتبادر منه أن الخلق في الأرض بناء على أن فيها متعلق بجاعل أي خالق مع أن خلق آدم في الجنة ( ووجه الرد أن الظرف متعلق بخليفة لأنه اسم فاعل أو حال من الخليفة لكن هذا الإيهام يصلح أن يكون وجها لتأخيره ) . قوله : ( والخليفة ) مطلقا ( من يخلف غيره وينوب منابه ) وتناوله لخليفة اللّه تعالى يحتاج إلى العناية كما سيجيء البيان من المصنف ولو قيل الخليفة من ينوب مناب غيره في أمر من أموره لكان أقل مؤنة قوله من يخلف إشارة إلى أن الخليفة فعيل بمعنى فاعل ( والهاء ) أي التاء عبر عنها بها باعتبار ما يؤول إليه ( فيه ) أي الخليفة ( للمبالغة ) لا للتأنيث لإطلاقه على الواحد المذكر نقل عن الرضي أنه قال دخول التاء قد يكون لا لمعنى من المعاني بل هو تأنيث لفظي كما في غرفة وظلمة وعمامة وملحفة وهي لازمة التأنيث تأمل أي لا يحذف أصلا كعلامة التأنيث قوله للمبالغة كعلامة فإنها تفيد مبالغة في العلم وهنا تفيد المبالغة في أمر الخلافة وإقامة السياسة وجه إفادتها المبالغة أن زيادة الحروف تدل على زيادة المعنى قالوا فلو كانت للتأنيث لجاز إطلاقه على الجماعة كما يقال فرقة باغية . قوله : ( والمراد به آدم عليه الصلاة والسلام رجحه لما ذكر من أنه كان خليفة اللّه في الأرض ) أي أول خليفة ولا خليفة قبله ولذكر أمر الملائكة بالسجود له في سياق هذه القصة ولتعليم الأسماء له وإلزام الملائكة به وأما قولهم أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها إلى آخره فبالنظر إلى ذريته المسببة عنه كقوله تعالى : فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ [ الأعراف : 190 ] الآية فالإسناد مجاز عقلي في الآيتين فلا يكون هذا مرجحا لكون المراد به آدم وبنيه على أن ذلك يستدعي التكلف في تصحيح إطلاق المفرد على الجماعة دون ما قوله : والهاء للمبالغة وجه دلالة الهاء على المبالغة أنها مبنية عن اسمية المدخول عليه الدالة على الرسوخ في معنى دل هو عليه .