اسماعيل بن محمد القونوي

108

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قبل خلق الأبدان على ما قيل لقوله عليه السّلام خلق اللّه الأرواح قبل الأجساد بألفي عام فغير مفيد إذ النفوس الفاضلة عبارة عن كونها متحلية بأنواع كمال الكسب حين تعلقها وحلولها بالبدن ولا ريب في عدم تحقق ذلك الكمال قبل تعلق البدن على أنه خبر آحاد لا يفيد اليقين وكذا الكلام في قوله عليه السّلام الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف فيفيد الظن على أن قوله تعالى : ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ [ المؤمنون : 14 ] يدل ولو ظنا على حدوثها مع البدن . قوله : ( وزعم الحكماء أنها جواهر مجردة ) أي قالوا إنها مجردات عن المواد وعن النفوس البشرية وهي العقول العشرة والنفوس الفلكية التي تحرك الأفلاك والحاصل أنها غير متحيزة ولا أجسام مركبة من المواد ونقل البعض بقوله وقيل « 1 » تركيب الأنواع الثلاثة من امتزاج العناصر إلا أن الغالب في كل واحد ما ذكر ولكون النار والهواء في غاية اللطافة كانت الملائكة والجن والشياطين بحيث يدخلون المنافذ المضايق حتى أجواف الإنسان ولا يرون بحس البصر إلا إذا اكتسبوا من الممتزجات الأخر التي يغلب عليها الأرضية والمائية جلابيب وغواشي فيرون في أبدان كأبدان الإنسان وغيره من الحيوانات ظاهره لا يلائم قوله تعالى : إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [ الأعراف : 27 ] الآية فلا تغفل قوله ( مخالفة للنفوس الناطقة ) قيد بها احترازا عن النفوس الفلكية فإنها من جملتهم كما سلف ( في الحقيقة ) أي بالماهية إذ النفوس الناطقة وإن كانت مجردة وليست بجسم ولا قوة جسمانية لكنها متوقفة في كمالها على تعلقها بالبدن بخلاف العقول العشرة والنفوس فإنها ليست لها حالة منتظرة وتغاير الخواص واللوازم يدل على تغاير الملزوم . قوله : ( منقسمة إلى قسمين قسم شأنهم الاستغراق في معرفة الحق والتنزه عن الاشتغال بغيره كما وصفهم في محكم تنزيله فقال يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ ) [ الأنبياء : 20 ] قال تعالى حكاية عنهم وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ في المعرفة والعبادة قوله : ( وهم العليون والملائكة المقربون وقسم يدبر الأمر من السماء إلى الأرض على ما سبق به القضاء وجرى به القلم الإلهي لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وهم المدبرات أمرا فمنهم سماوية ومنهم أرضية على تفصيل أثبته في كتاب الطوالع ) فعلم منه أن تلك الملائكة متفاوتون في تلك المراتب لا يتجاوزونها قد مر تفصيل العليين في تعداد مراتب الجنة وهم حملة العرش ومن حوله قال المصنف في تفسير قوله تعالى : الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ [ غافر : 7 ] الكروبيون أعلى طبقات الملائكة وأولهم وجودا ولهذا قال و الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ [ النساء : 172 ] قربا معنويا والكروبيون سادات الملائكة كجبرائيل وإسرافيل وهم المقربون وجبريل رئيس الكروبيين صرح به في سورة التحريم من كرب إذا قرب وقال ابن مكتوم في تذكرته كربه بفتح الكاف وتخفيف الراء وكذا صرح به قدس سره في شرح المواقف في قبيل الإلهيات بتخفيف الباء .

--> ( 1 ) هذا الكلام بناء على مذهب أهل الشرع وليس من كلام الحكماء كما زعم .