اسماعيل بن محمد القونوي

106

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

هذا ذهب الكسائي والليث والأزهري واختاره المص لأن معنى مأخذ الاشتقاق وهو الألوكة متحققة فيهم مع إشعار التعظيم بأنهم رسل اللّه تعالى دون ما اختاره ابن كيسان وإن كان معنى القوة والشدة يعم الملائكة وشتان ما بين المعنيين فلا جرم أنه يحتاج إلى القلب وأنكر بعضهم القلب وجعله من لاك بمعنى أرسل ولما لم يشتهر لاك بمعنى أرسل اشتهار الألوكة لم يرض به المص ولم يلتفت إليه ولا ينافي القلب قوله على الأصل إذ مراده بقوله على الأصل كون همزته أصلية فلا يضره القلب وقيل لأن أصله مألك حينئذ ولو جمع لقيل مألك كمأدب لكنه بعد القلب صار أصلا ثانيا له ولا يخفى بعده . قوله : ( لأنهم وسائط بين اللّه وبين الناس فهم رسل اللّه ) إشارة إلى جواب ما قيل إن معنى الشدة والقوة تعم الملائكة كلهم وكفاك قوله تعالى : يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ [ الأنبياء : 20 ] وأما الرسالة فلا لقوله تعالى : يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ [ الحج : 75 ] الآية فالراجح مسلك ابن كيسان فأشار إلى جوابه بقوله لأنهم أي زائدة قال ابن كيسان الهمزة زائدة وهو من ملك لدورانه مع القوة والشدة في مالك وملك وملك وملك العجين إذا شدد عجنه قال التفتازاني ظاهر كلام صاحب الكشاف أن الهمزة زائدة وأن اشتقاقه من ملك « أقول » لعله أخذ هذا المعنى من كلامه حيث شبهه بالشمائل وهمزته زائدة ورد باحتمال إرادة الشبه الصوري مع قطع النظر عن زيادة الهمزة وأصالتها قيل الوجه أن يكون الهمزة زائدة والميم أصليا واشتقاقه من ملك لأن الملك اسم جنس يعم جميع الملائكة لوجود معنى القوة والشدة في جميعهم بخلاف معنى الألوكة فإنه لا يعم الجميع لقوله تعالى : يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ [ الحج : 75 ] واعتبار المعنى لترجيح تسمية الكل باسم الملك أولى وأصوب من اعتبار المعنى الخاص لبعضهم إذ لو كان مرجح التسمية هذا المعنى الخاص اعني معنى الألوكة لما صح أن يسمى غير الرسل منهم باسم الملك لعدم وجود المرجح فيه فلعل اختيار المص القلب بناء على المشهور بين أئمة اللغة وإلا فالحق أن يكون من ملك العجين لعموم هذا المعنى لكل من يسمى باسم الملك . قوله : فهم رسل اللّه أو كالرسل إليهم كأنه أراد بقوله فهم رسل اللّه الرسالة المتعارفة المشهورة كرسالة جبريل عليه السّلام وبقوله كالرسل الرسالة المتعارفة لعله أراد بهم العقول المجردة فإن النفس إذا تزكت عن دنس الطبيعة وتطهرت عن الرذائل حصلت لها مناسبة بينها وبين المجردات واتصلت بهم وبذلك انتقشت بما فيهم من صور العلوم الغيبية فينتقل منها إلى القوة التخيلية ومنها إلى الحس المشترك فيرى كالشاهد المحسوس وربما يعلو ويشتد الاتصال فيسمع كلام منظوم من مشاهد يخاطبه وهو الوحي عند الحكماء الإسلامية فكانت إفاضة العلوم منهم إلى نفوس الأنبياء عليهم السّلام بمنزلة تبليغ الرسل العلوم الإلهية عن اللّه تعالى إلى العباد فشبهوا من هذه الجهة بالرسل ويشبه أن اختيار القاضي القلب في اسم الملك وكونه من الألوكة بناء على رأي الحكماء فإن المراد بالملائكة عندهم العقول ليس إلا ومعنى الألوكة عام لجميع الملائكة على المعنى المذكور فكون معنى الألوكة مرجحا لتسمية الجميع باسم الملك على هذا المعنى لوجوده في جميعهم فحينئذ تكون اللام للاستغراق العرفي كجمع الأمير الصاغة وأما العهد فليس بمناسب في مثل هذا المقام .