اسماعيل بن محمد القونوي
83
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
( المذبذب بين القسمين ) أي المتردد إشارة إلى قوله تعالى : مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ [ النساء : 143 ] الآية أي وهم مترددون بين الإيمان والكفر لا منسوبين إلى المؤمنين في الحقيقة وفي نفس الأمر ولا إلى الكافرين أي بحسب الظاهر أو لا صائرين إلى أحد الفريقين بالكلية من الذبذبة وهو جعل الشيء مضطربا واضطرابهم بميلهم تارة إلى المؤمنين وأخرى إلى الكافرين لكن ميلهم إلى المسلمين بحسب الظاهر وميلهم إلى الكفار في نفس الأمر وبهذا القيد هنا وفيما مر يندفع الإشكال بأنهم حينئذ ليسوا داخلين في زمرة الكافرين وهذا خلاف الواقع ومناف لما سيأتي وأيضا بأنهم كيف يميلون إلى الضدين معا وأيضا إذا كانوا مائلين إلى القسمين معا فدخولهم في جنس الكافرين ليس أولى من دخولهم في زمرة المسلمين وأيضا إذا كانوا داخلين في طائفة الكافرين فيكون القسم منحصرا في القسمين ولا يكون أقساما ثلاثة واندفاع الإشكالات المذكورة ظاهر مما قررناه من أن ميلهم إلى المؤمنين بحسب الظاهر لا في نفس الأمر وميلهم إلى شياطينهم بالعكس والاعتبار بنفس الأمر والحقيقة لا بالظاهر « 1 » ومن هذا قال وهم أخبث الكفرة لكن التقسيم بحسب الظاهر . القسم الثاني وقالوا وبالجملة لا دلالة لقوله الذين كفروا على أنهم محضوا الكفر ظاهرا وباطنا قلوبا وألسنة ثم أجابوا بأنه دلالة لقوله ثم ثنى بالذين محضوا على أنه ذكر للممحضين خاصة بل المراد بأنهم إشارة إلى جمع مخصوص معهود إذا أريد بالتعريف في الذين العهد أو الجنس الداخل فيه الماحضون دخولا أوليا إن كان التعريف للجنس لتبادر الفهم إليهم من اطلاق الكافرين أقول هذا الجواب ليس بجيد لأن قوله ثم ثنى بالذين محضوا صريح في أن المراد بالذين كفروا ذكر للممحضين خاصة والمخالف مكابرا أو معاند وقد يجاب بأنه لما خص البعض منهم بأنهم منافقون علم أن الباقين هم الممحضون وضعفه ظاهر لأنه لا يدل على اختصاص الذكر بالممحضين غايته أنه حكم على الجنس بحكم يتناول الفريقين ثم على البعض منهم بحكم خاص به كما يقال بنو فلان كلهم علماء ومنهم فقهاء فإنه لا يكون الأول ذكرا لغير الفقهاء بالخصوص أقول في قولهم لا دلالة للذين كفروا الآية على أنهم محضوا الكفر قلوبا والسنة نظر لأنه يدل على ذلك ما وقع بعده من الجملة المفسرة له اعني جملة لا يؤمنون فإن الإيمان الشرعي هو مجموع التصديق القلبي والإقرار باللسان فحين سلب عنهم الإيمان علم أنهم محضوا الكفر قلوبا وألسنة فعلى هذا لا يتناول القسم الثاني وهم الذين كفروا المذبذبين بين القسمين الأولين فثلت السم بذكر المنافقين لبيان حالهم فإن قيل قد سلب الإيمان أيضا من المنافقين على أبلغ وجه بقوله عز وجل : وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [ البقرة : 8 ] حيث جيء باسمية الجملة والباء المزيدة للتأكيد قلنا معنى وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [ البقرة : 8 ] قلوبا وإن آمنوا السنة بقرينة قوله : يَقُولُونَ آمَنَّا [ آل عمران : 7 ] بخلاف قوله : لا يُؤْمِنُونَ [ البقرة : 6 ] فإنه ينفي الإيمان منهم ظاهرا وباطنا وهذا النفي أبلغ من ذاك لأن خلو الإيمان من محلين أرسخ قدما في امحاض الكفر من خلوه من مكان واحد .
--> ( 1 ) وكذا الكلام في طرف النفي أي عدم نسبتهم إلى المؤمنين بالحقيقة وفي نفس الأمر وعدم نسبتهم إلى الكفار بحسب الظاهر .