اسماعيل بن محمد القونوي

80

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

زاد قوله في الآية ولو قال ومعنى التنكير في غشاوة وعذاب عظيم لكان أصرح في المقصود وحاصل كلامه أن معنى التنكير فيهما للنوعية لا للتعظيم كما ذهب إليه صاحب المفتاح وقد رجحه طائفة إذ حمل تنكير عذاب على النوعية أولى لاستفادة التعظيم من صريح وصفه ولو حمل عليه لكان عظيما تأكيدا والتأسيس أولى من التأكيد وحمل في غشاوة أيضا عليها لرعاية التناسب مع أن فيها مبالغة فوق التعظيم كما أشار إليه بقوله تبعا للكشاف غشاء ( ليس مما يتعارفه الناس ) « 1 » وفي الإبهام من العظمة ما لا يخفى إذ المقصود بيان بعدهم عن الإدراك والتعظيم على هذا الوجه أوفى به والاحتمالات أربعة أن التنوين فيهما إما للنوعية أو للتعظيم والتهويل وهما شديد التناسب أو الأول للنوعية والثاني للتهويل وهذا فصيح أيضا أو على العكس وهو مرجوح حينئذ كذا قيل . قوله : ( وهو التعامي عن الآيات ) ليس معناه إظهار العمي وليس له عمى بل معناه أنهم عمي بسوء اختيارهم وفرض إصرارهم على الكفر فإنهم لما أبوا عن أن يتبصروا الآيات بأبصارهم كأنهم أظهروا العمى وليس لهم عمى حقيقة فبهذا الاعتبار صح جعله من باب تمارض ولهذا اختير التعامي على العمى ( ولهم من الآلام العظام ) بالمد جمع ألم والعظام جمع عظيم إشارة إلى صفته واختار الجمع إذ المراد به في النظم الجليل الجنس يراد به الكثير بقرينة ولهم من قبيل انقسام الآحاد إلى الآحاد وجملة افراد العذاب عظيمة وإن كان بعض فرد منها أعظم من الفرد الآخر ( نوع عظيم ) وفيه تأييد لما ذكرنا أن في الإبهام من بيان عظمته ما لا يخفى إذ قوله عظيم العظيم الذي يستفاد من جعله للنوعية وإياك وأن تظن أنه إشارة إلى جواز كونه للتعظيم فإن صريح قوله نوع يأبى عنه ( لا يعلم والمقصور بيان وجه التنكير في كل واحد منهما لا في تنكير عذاب فقط ولذا قال في الآية ولم يقل فيه وكذا قال الزمخشري ومعنى التنكير أن على أبصارهم نوعا من التغطية غير ما يعرفه الناس وهو غطاء التعامي عن آيات اللّه ولهم من بين الآلام العظام نوع عظيم لا يعلم كنهه إلا اللّه تعالى : حيث أطلق التنكير ولم يقيد أي لم يقل والتنكير فيه حتى يصرف إلى ما هو بصدد تفسيره فحسب ولعل حمل التنكير على النوعية في الموضعين دون التعظيم مع احتماله للتعظيم أيضا لأن وصف العذاب بالعظيم يأبى حمله على التعظيم من حيث الظاهر لوقوع التكرار وإنما قلنا من حيث الظاهر لجواز حمل الوصف على التأكيد على نحو مضى أمس الدابر وهذا هو تأويل من حمله على التعظيم من المقسرين ولما الجأ الوصف ههنا إلى ارتكاب جعله للنوعية اضطر إلى جعله في غشاوة للنوعية أيضا ليناسب الجزاء المجزى عليه لا لأن في غشاوة ما يأبى التعظيم وذكر لفظ التعامي دون العمى وإن كانوا مطبوعين عليهم إيماء إلى أن ذلك من سوء اختيارهم وشوم اصرارهم لأن الصيغة تنبىء عن الاختيار كالتغافل والتجاهل والتمارض يقال تغافل عنه وتجاهل وتمارض أي أرى من نفسه أنه غافل وجاهل ومريض واظهر من نفسه هذه الصفات من غير اتصاف بها كقول الشاعر : تعاللت كي أشجي وما بك علة * تريدين قتلي قد ظفرت بذلك

--> ( 1 ) من المعنى المجازي الذي سبق توضيحه .