اسماعيل بن محمد القونوي

72

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

بالعقل وذكره مطلقا مع أن المراد به العقل الذي ينتفع به للتعريض أيضا بأن من لم يتذكر فكأنه لا عقل له أصلا وهذا هو مختار البعض نقله المصنف هنا تتميما للفائدة ومثل هذا شائع في كلامه وفي كلام غيره فالاعتراض بالمخالفة سخيف جدا ثم التعريض في المعنيين وجه حسنه أن الموجود الذي انتفى ما هو الغرض منه بمنزلة المعدوم لعدم غنائه وهو كثير في كلام البلغاء لا سيما في كلام اللّه الأعلى ومن هذا القبيل قوله : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [ البقرة : 18 ] وسيجيء توضيحه بعونه تعالى ثم العقل يطلق على القوة التي يدرك بها الكلي وعلى الإدراك الكلي كما صرح به في قوله تعالى : أَ فَلا تَعْقِلُونَ [ البقرة : 44 ] فإن أريد به الإدراك الكلي كما هو الظاهر فالتقابل في غاية الحسن إذ المراد حينئذ بها العلم بالجزئيات كما هو اصطلاح البعض فيفيد أن القلب قد يطلق على الإدراك مطلقا كليا كان أو جزئيا وإن أريد به الإدراك المطلق فهو المراد بالمعرفة أيضا فائدة ذكرها بطريق عطف التفسير ليعلم أنه لا يراد به القوة العاقلة فإن إرادتها لا تناسب المقام وإن كان لها صحة في حصول المرام ( كما قال اللّه تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ [ ق : 37 ] ) . قوله : ( وإنما جاز إمالتها ) أي إمالة كلمة أبصارهم ( مع الصاد ) وهي من الحروف المستعلية التي يتصعد الصوت بها إلى الحنك الأعلى وهي عند النحاة وأهل الأداء مناف للإمالة فإنها أن تنحى بالألف نحو الياء وبالفتحة نحو الكسرة وذلك مقتض لتسفل الصوت وقد عرفت أن الحروف المستعلية تقتضي تصعد الصوت فكرهوا الجمع بينهما إلا إذا كانت مع الراء المكسورة كما قال ( لأن الراء المكسورة تغلب المستعلية لما فيها من التكرير ) وبسبب تكريرها يكون بمنزلة كسرتين والكسرة سبب الإمالة وأعون شيء عليها بخلاف المفتوحة والمضمومة فإنها لا تمال معها والتكرير إعادة الشيء وأقله مرة على الصحيح ومعنى قولهم إن الراء مكررة إن الراء له قبول التكرار لارتعاد طرف اللسان به عند تلفظه ولهذا قال ابن الحاجب لما تحسنه من شبه ترديد اللسان في مخرجه والحاصل أن تكريره بالقوة لا بالفعل فإن تكريره بالفعل لحن والتعرف وجه دفعه قال الجعبري وطريق السلامة أن يلصق اللافظ به ظهر لسانه بأعلى حنكه لصقا محكما مرة واحدة ومتى ارتعدت حدث من كل مرة قال ابن الحاجب فلذلك أجري مجرى الحرفين في أحكام متعددة ومن جملتها إمالة نحو طارد وغارم مع عدم الإمالة في طالب وغانم فاتضح قول المصنف وإنما جاز إمالتها لما فيه من التكرير . قوله : وإنما جاز إمالتها مع الصاد يعني كان القياس أن لا يمال الألف نحو مخرج الفاء إذا وقعت بعد حروف الاستعلاء لما فيها من التفخيم المنافي للإمالة والإمالة ترقيق اللفظ وبين الترقيق والتفخيم منافاة إلا أنه جاز الإمالة ههنا عند أبي عمرو والكسائي لقوة مجوزها وهو وقوع الراء المكسورة بعد الألف لما فيها من التكرير كأن فيها كسرتين كما قال صاحب الكشاف لأن الراء المسكورة تغلب المستعلية لما فيها من التكرير كأن فيها كسرتين وذلك أعون شيء على الإمالة وأن يمال له ما لا يمال .