اسماعيل بن محمد القونوي
64
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
[ فصلت : 5 ] ) فإن كون القلوب في أكنة أي في أغطية هو معنى الختم عليها ( وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ [ فصلت : 5 ) ] وإن ثبوت الوقر في الأذان ختم عليها وثبوت الحجاب تغطية للأبصار والمراد في الكل إحداث هيئة والإسناد إلى اللّه تعالى ح . حقيقة لأن الكفرة يجوزون إسناد القبيح إليه تعالى قوله : ( تهكما واستهزاء بهم ) علة لحكاية ويعرف كونه تهكما بالذوق لأنه إذا نقل كلام أحد مع ظهور بطلانه يفهم منه الاستهزاء ولعل ترك ما يدل على الحكاية من نحو قالوا ختم وإحالته على القرينة مما يؤيد كونه تهكما وكون القصد تهكما لا ينافي في كونه تقريرا لما تقدم من حال الكفار فإن هذا مقصود من الحكاية لأجل التهكم نظيره ذكر العلة للشيء أو لا ثم ذكر علة العلة غايته أنه لا يكون تقريرا لما تقدم بأنهم يحدث اللّه تعالى في قلوبهم هيئة مانعة عن نفوذ الحق بل يكون تقريرا له بأنهم مصرون على الكفر لا يلتفتون نحو الحق بل كلما ألقي إليهم الحق قالوا قلوبنا غلف وفي أكنة لا نستعد باستماع الحق وفهمه ولا ريب في تقرير عدم إيمانهم لا سيما عدم نفع إنذارهم نعم عدم ذكر ما يدل على الحكاية وقوله تعالى : وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ يؤيد سائر الوجوه فإنه حينئذ لا يكون عطفا على ختم اللّه بل يكون ابتداء كلام كقوله تعالى : لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ [ البينة : 1 ] لأن الكفار كانوا يقولون قبل مبعث النبي عليه السّلام لا ننفك عما نحن فيه حتى يأتينا النبي الموعود به في التوراة والإنجيل فلما جاءهم ما عرفوا كفروا فحكى اللّه تعالى كلامهم وعدم وفائهم بذلك على سبيل الوعيد والتهديد ولو كان إخبارا بلا حكاية لزم تخلفه إذ لا يوجد الانفكاك عن دينهم الذي كانوا عليه عند مجيء الرسول عليه السّلام والتشبيه في الحكاية بلا لفظ القول والتهكم والحكاية بالمعنى لا بعبارته كما أشرنا إليه . قوله : ( السادس أن ذلك في الآخرة ) وهذا ليس بقبيح لأنها ليست دار التكليف حتى يكون منعهم عن فهم الحق قبيحا بل عقوبة على جزاء أعمالهم قال تعالى : وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى [ الإسراء : 72 ] الآية وكونه على هذا تقرير لما قبله لدلالته على أنهم ماتوا على الكفر فيكون دليلا أتيا على أنهم لا يؤمنون وبالإنذار لا ينتفعون كما أنه دليل لمي في الوجوه المتقدمة ( وإنما أخبر عنه بالماضي لتحققه وتيقن قوله : كقوله تعالى : لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا [ البينة : 1 ] قيل كان الكفار من الفريقين أهل الكتاب وعبدة الأوثان يقولون قبل مبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا ننفك مما نحن عليه من ديننا ولا نتركه حتى يبعث النبي الموعود الذي هو مكتوب في التوراة والإنجيل فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فحكى اللّه كلامهم كما يقولون على سبيل الوعيد والتهديد المستفادين من ورود الكلام على وجه التهكم والهزء ولو كان هذا ابتداء إخبار من اللّه تعالى لكان الانفكاك عن دينهم الذي كانوا عليه واقعا متحققا عند مجيء الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بدليل حتى تأتيهم البينة وهم لم ينفكوا عنه عند إتيان البينة التي هي القرآن المعجز ببلاغته كافة الناس ببعثة الرسول بين رسالته بالمعجزات الشاهدة على صدقه .