اسماعيل بن محمد القونوي

63

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

الختم سد ومنع لتصرف الغير واطلاعه فاستعير الختم لترك القسر فيكون استعارة تبعية هذا ظاهر كلام المصنف ويمكن حمل كلامه على كونه مجازا مرسلا كما بيناه آنفا ثم إن هذا المعنى ليس بمقصود في نفسه إذ لا يتصور القسر في شأنه تعالى بل لينتقل منه إلى أن مقتضى حالهم الإلجاء لولا ابتناء التكليف على الاختيار وينتقل من هذا المقتضى أن الآيات والنذر لا تغني عنهم وأن الألطاف لا تجري عليهم وينتقل من عدم الإغناء إلى تناهيهم في الإصرار على الضلال وإليه أشار بقوله ( وفيه إشعار على تمادي أمرهم في الغي وتناهي انهماكهم في الضلال والبغي ) يعني أطلق الختم على ترك القسر مجازا ثم كنى به عن ذلك التناهي بالوسائط وهذا وإن فهم مما قبله صراحة لكن الكناية لكونه أبلغ فإنها إيراد الشيء مع دليله تكلفوا في استخراج الكناية قوله لم يقسرهم يقال قسره عن الأمر قسرا من باب ضرب بمعنى قهره وإلجاءه والترامي تفاعل من الرمي والمراد به التزايد والترقي فيه يقال رميت على الجهتين وأرميت إذا زدت كما نقل عن الأساس وصيغة التفاعل للمبالغة والاشعار بمعنى الأعلام ويتعدى بالباء وقد يتعدى بعلى لتضمنه معنى التنبيه كما فعله المصنف . قوله : ( الخامس أن يكون حكاية لما كانت الكفرة يقولون ) أي نقلا بالمعنى لا بعبارتهم وإن قيل إنه يحتمل أن يكون حكاية له بلفظه إذ لا مانع من أن يقولوه بعينه وهذا بعيد إذ المنقول في القرآن المعنى ( مثل ) قوله تعالى : ( قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ المحصل فإن قارنه فعل الطاعة فهو التوفيق وإن قارنه ترك المعصية فهو العصمة وإن لم يقارنه بالفعل فهو اللطف المقرب على ما قال نجم الدين الزاهد الخوارزمي اللطف في عرف المتكلمين هو ما يختار عنده المكلف معه الطاعة تركا وإثباتا ثم إن اللطف إذا كان محصلا للواجب سمي توفيقا وإذا كان محصلا لترك القبيح يسمى عصمة وإذا كان مقربا من الواجب أو ترك القبيح سمي لطفا مقربا وفي شرح مقامات الزمخشري الألطاف عند المتكلمين هي المصالح وهي الأفعال التي عندها يطيع المكلف أو يكون أقرب إلى الطاعة على سبيل الاختيار ولولاهما لم يطع أو لم يكن أقرب مع تمكنه في الحالين . قوله : الخامس أن يكون حكاية لما كانت الكفرة يقولون معنى أنه تعالى حكى كلام الكفار على طريق التهكم فإنهم لما قالوا : قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ [ فصلت : 5 ] وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ [ فصلت : 5 ] قال اللّه تعالى تهكما واستهزاء بهم خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [ البقرة : 7 ] ومقابلة قولهم قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ [ فصلت : 5 ] وقال وعلى سمعهم في مقابلة قولهم : وَفِي آذانِنا وَقْرٌ [ فصلت : 5 ] فإن الوقر في الأذن يمنع من نفوذ الصوت فيها وقال : وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ [ البقرة : 7 ] في مقابلة قولهم : وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ [ فصلت : 5 ] لأن الغشاوة هي الحجاب المانع من الابصار كما أن الغشاوة غطاء يمنع الابصار من الابصار قيل هذا الوجه أحسن الوجوه لا منا لأنه أسهل في استخراج المقصود إذ لم يحتج إلى استفراغ القوى وبذل المجهود على ما قال القطب وهذا الوجه إن كان أسهل في استخراج المقصود إلا أن الوجوه السابقة ادخل في البلاغة على ما يلزم منه فك الرابطة الاستئنافية في بيان الموجب بين تلك الجملة والجملة السابقة فقوله تهكما واستهزاء علة لقوله يكون حكاية لا ليقولون لأنهم لا يقولون تلك الأقاويل تهكما بل يقولونها عن جد وشدة إعراض عن قبول الحق .