اسماعيل بن محمد القونوي

55

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

الضلال إصبعا إصبعا فيصير مختوما عليه والقول بأنه لم يحمل على الحقيقة تحاشيا عن نسبة الظلم مدفوع بأن هذا ليس مذهب أهل السنة على أنه إن تم ذلك فهو مشترك الورود بين الحقيقة والمجاز وما نقله الراغب عن الجبائي من أنه تعالى جعل ختما على قلوب الكفار ليكون دليلا للملائكة على كفرهم فلا يدعون لهم فضعيف لأن اطلاعهم على اعتقادهم كاف في ذلك على أن الدعاء للكافرين حال حياتهم ليس بممنوع والختم والتغشية لا يدلان على سوء الخاتمة جزما فتدبر والمصنف قد أشار إليه في أواخر تفسير إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا تبعية وفي لفظ غشاوة استعارة مصرحة أصلية وأما وجه التمثيل فهو أن يشبه حال قلوبهم واسماعهم ويشبه حال أبصارهم في أنها خلقت للانتفاع بها ثم إنها لم ينتفع بها بحال أشياء مخلوقة للانتفاع بها مع المنع عن ذلك بطريق الختم والتغطية ثم يستعمل في المشبه اللفظ الموضوع لأن يستعمل في المشبه به والجامع عدم الانتفاع بما خلق للانتفاع بها بناء على مانع عرض له ويصفه من التكليف بالاستنفاع وهذا الجامع أمر عقلي مركب من عدة منتزع من طرفي التمثيل الممثل والممثل به وهما أيضا مركبان من عدة أمور قال القطب قوله لا ختم ولا تغشية إلى قوله وهما الاستعارة والتمثيل ههنا سؤالان أحدهما أن طرفي التشبيه إما أن يكونا مذكورين في الآية أو لا فإن كانا مذكورين فليس في الآية استعارة وإلا فلا تمثيل والآخر أن المراد بالتمثيل إن كان مجرد التمثيل فهو حقيقة من الحقائق ليس نوعا من المجاز وإن كان التمثيل على سبيل الاستعارة فهو قسم من الاستعارة لا قسم لها فنقول في التفصي عنهما أن المجاز عبارة عن اللفظ المستعمل في غير ما وضع له مع قرينة مانعة عن إرادته وهو قسمان مرسل واستعارة والاستعارة كما عرفت تمثيلية وغير تمثيلية فالمراد بالمجاز ههنا هو الاستعارة لأنه بنى الكلام في توجيه نوعي المجاز من الاستعارة والتمثيل على التشبيه وإنما اطلق المجاز لوقوعه في مقابله الحقيقة حيث قال لا ختم ولا تغشية ثمة على الحقيقة أي ليس ثمة حقيقة الختم والتغشية بل الحاصل شبه الختم والتغشية والمراد بالتمثيل الاستعارة التمثيلية غلب عليها اسم التمثيل بين أرباب الفن فكون المراد بالاستعارة الاستعارة الغير التمثيلية فقد ظهر توجيه الكلام واندفع الإشكال وتوجيه الاستعارة أنه شبه عدم نفاذ الحق ونبوها عنه وعدم الاختلال كأنها ختم أو غطى عليها ثم استعيرا لها فهي استعارة تصريحية تبعية وأما التمثيل فإنه شبه حال القلوب والسمع والأبصار وهو عدم الانتفاع بها في الاغراض الدينية بحال أشياء مختوم عليها أو مغطى عليها لئلا ينتفع بها في الاغراض الدنيوية ثم استعير لجانب المشبه عبارة الختم والتغطية المستعملة للمشبه به فهي استعارة تبعية تمثيلية وعلى التقديرين لا تجوز إلا في الختم والتغطية من الباحثين عن هذا المقام من وجه التمثيل بأن شبه قلوبهم وأسماعهم بأشياء ضرب حاجز بينها وبين الانتفاع بها بالختم والتغطية لجامع عدم الانتفاع ثم ذكر القلوب والسمع وأريد تلك الأشياء والقرينة ذكر ختم فتكون استعارة بالكناية فحمل الاستعارة على الاستعارة التصريحية والتمثيل على الاستعارة بالكناية والمجاز الذي هو الاستعارة منقسم إليهما فكأنه يقول في الآية أمور وهو القلوب والسمع والإبصار وفعلها وهو الختم فالتجوز إما فيها أو فيه وعليه بناء الوجهين لكن حمل التمثيل على الاستعارة بالكناية بعيد عن الرجل العلمي ويبطله استقراء كتاب الكشاف فإنه لا يطلق التمثيل إلا على الاستعارة التمثيلية إلى هنا كلام القطب ثم قال صاحب الكشاف فإن قلت فلم أسند الختم إلى اللّه وإسناده إليه يدل على المنع من