اسماعيل بن محمد القونوي
512
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
وخص العذارى بالذكر لفرط حيائهن وشدة انقباضهن ولاجتنابهن عن كثير مما يبتذل فيه غيرهن وبناء تقنعت للاتخاذ من القناع وهو ما يستر به الرأس أي اتخذن الدخان قناعا حين مباشرتهن للطبخ في الرماد الحار صابرات على أذى الدخان والظاهر أنه من التشبيه البليغ أي اتخذن الدخان كالقناع ويحتمل الاستعارة المكنية والتخييلية وإن في جعل نصب القدور مفعول استعجلت مجازا عقليا إذ الاستعجال وقع على إلقاء اللحم في الرماد الحار وجواب الشرط قوله : دارت بأرزاق العفاة مغالق * بيدي من قمع العشار الجلة المغالق قداح الميسر وسهمه لأن الجزور تغلق عندها وتهلك والعفاة جمع العافي سائل المعروف والقمع جمع قمعة وهي القطعة من السنام والعشار جمع عشراء الناقة التي أتت على حملها عشرة أشهر والجلة جمع جليل بكسر الجيم وتشديد اللام كصبية بكسر الصاد وسكون الباء جمع صبي والمعنى إذا اشتد القحط دارت القداح في الميسر بيدي لإقامة أرزاق الطلاب من أسنمة النوق السمان الكبار الحوامل التي قرب وضع حملها وكل ذلك مما يضن بها ويتنافس فيها فإذا كان حال البكر من شدة القحط هكذا من مباشرة أمور ثلاثة تنافي حالهن فما ظنك بغير العذارى ففي مثل هذه الشدة دارت مغالق بيدي بأرزاق العفاة الخ . وفيه وصف نفسه بالجود والكرم على وجه المبالغة والبراعة ومحل الاستشهاد قوله تقنعت بإفراد ضمير العذارى واكتفى باستشهاد الإفراد إشارة إلى أن الجمع لكونه على مقتضى الظاهر لا حاجة إلى الاستشهاد كما وقع في الكشاف كذا قالوا ومطهرة عطف على مطهرات أي وقرئ مُطَهَّرَةٌ [ البقرة : 25 ] بتشديد الطاء وكسر الهاء من باب التفعل فعله أطهر وأصله تطهر « 1 » والعمل فيه مشهور ومطهرة بفتح الطاء والهاء أبلغ من المبالغة أو من البلاغة من طاهرة فلذا اختير في النظم دونها . قوله : ( للإشعار بأن مطهرا طهرهن وليس هو إلا اللّه عز وجل ) إذ نسبة الفعل إلى القادر القوي يدل على كون الفعل كاملا فإنه لا يصدر عن القادر المطلق إلا الكامل المطلق ولما عرفت أنه من قبيل ضيق فم البئر لا إشكال بأنه يوهم أن لهن نوع نقصان فأزاله اللّه تعالى عنهن . قوله : ( والزوج يقال للذكر والأنثى وهو في الأصل لما له قرين من جنسه كزوج الخف ) والزوج يقال بالاشتراك اللفظي للذكر والأنثى أي لكل واحد من القرينين قوله : للاشعار بأن مطهرا طهرهن وفي الكشاف في مُطَهَّرَةٌ فخامة لصفتهن ليست في طاهرة وهي الاشعار بأن مطهرا طهرين وليس ذلك إلا اللّه المريد لعباده الصالحين أن يخولهم كل مزية فيما أعد لهم .
--> ( 1 ) أدغم التاء في الطاء بعد قلبها وجيء بهمزة الوصل والمصدر أطهرا بفتح الطاء وضم الهاء المشددتين والأصل تطهرا أدغمت فزيدت همزة الوصل .