اسماعيل بن محمد القونوي

510

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ [ البقرة : 25 ] في الدنيا بتقدير مضاف كما في الاحتمال الأول في التفسير الأول والثاني أن مرجع ضمير به على هذا المعنى جنس المرزوق في الدارين كما في الاحتمال الأول المذكور فإن قيل إطلاق الرزق على المعارف والأعمال هل هو حقيقة أو مجاز قلنا الظاهر أنه حقيقة كما نقل عن ابن الأثير في النهاية أنه قال الأرزاق نوعان ظاهرة للأبدان كالأقوات وباطنة للقلوب كالمعارف والعلوم وإليه أشار المص بنوع ما في قوله تعالى : وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [ البقرة : 3 ] . قوله : ( فيكون هذا في الوعد نظير قوله : ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ العنكبوت : 55 ] في الوعيد ) أي جزاء ما كنتم تعملون . قوله : ( مما يستقذر من النساء ويذم من أحوالهن كالحيض والدرن ودنس الطبع وسوء الخلق ) من النساء أي من نساء الدنيا مستقذر بمعنى مكره إما بحسب الحس كالحيض والنفاس أو بحسب المعنى كسوء الخلق قوله ويذم من أحوالهن بحسب الطبع سواء كان مذموما بحسب الشرع أو لا قوله كالحيض مثال لما يستقذر ولا يذم شرعا والدرن أي الوسخ مبنى ومعنى مثال لما يستقذر ويذم شرعا إن جاوز الحد ودنس الطبع مثال لما يستقذر معنى لا حسا كما في الأولين وهو أن يكون في طبعها أن لا تجتنب عن الفجور وحاصله إفراط القوة الشهوية قوله وسوء الخلق تعميم بعد التخصيص « 1 » إذ سوء الخلق عبارة عن جانب الإفراط والتفريط في القوى الثلاثة أعني القوة الملكية والقوة الغضبية والقوة الشهوية التي هي منشأ الأخلاق الردية الذميمة وإنما خص دنس الطبع أي الفجور والفحشاء بالذكر لأنه أشنع أحوال النساء قوله ويذم قيل إنه عطف تفسير له لأن القذر قد يختص بالنجس ولذا قال الأزهري القذر النجس الخارج من بدن الإنسان فعطف عليه يذم ليتعين المراد منه والظاهر خلافه إذ القرينة المعنوية قائمة على المراد منه . قوله : ( فإن التطهير يستعمل في الأجسام والأخلاق والأفعال ) جوانب إشكال بأن فيما ذكره المص جمعا بين الحقيقة والمجاز فإن التطهير حقيقة عن المستقذرات الحسية وفيما عداها مجاز فأجاب بأنه شائع الاستعمال في العرف العام في الأقسام الثلاثة بل في العرف الخاص فالظاهر أنه مشترك بينها اشتراكا معنويا فكما أنه حقيقة في القسم الأول كذلك حقيقة في القسمين أيضا على أنه لو سلم « 2 » أن التطهير في عرف الشرع حقيقة في إزالة النجاسة الحسية والحكمية كالجنابة وفي عرف اللغة وعرف الاستعمال يتبادر الذهن منه إلى الطهارة عن النجاسة وهي تدل على أنه مجاز في النزاهة عن قذر الأخلاق ودنس الطبع فوجه عمومه إلى الأقسام الثلاثة إما بالتزام الجمع بين الحقيقة والمجاز كما هو مذهب المص أو بعموم المجاز كما هو المختار عند أئمتنا الحنفية والقرينة على ذلك كون المقام

--> ( 1 ) وبذاذة اللسان وسوء المعاشرة مع زوجها يدخل دخولا أوليا . ( 2 ) فيه إشارة إلى المنع لأن قوله تعالى : إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [ الأحزاب : 33 ] ظاهر في كونه حقيقة في الشرع في القسمين الأخيرين ونظائره كثيرة .