اسماعيل بن محمد القونوي

507

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

الإتيان إليه في الآخرة من حيث تحققه في ضمن نوع ما لكن تلك الصحة من حيث ذاته وهو ليس بمقصود لا من حيث تحققه في ضمن نوع المرزوق في الدنيا والآخرة وهو المراد كما هو مقتضى السوق فالإشكال باق بعد ألا يرى أن الحيوان الذي هو جنس صالح متناول لكل نوع حين تحققه في ضمن الإنسان بحسب ذاته لا من حيث تحققه في ضمن نوع الإنسان فالاشتباه نشأ من أخذ الجنس بلا شرط شيء حين تحققه في نوع ما والمراد أخذه بشرط شيء كما عرفت وقد يجاب بأن معنى الإتيان بهما في الجنة إتمام الإتيان بهما في الجنة انتهى ومراده بإتمام الإتيان إتمام مجرد اثنينية الإتيان فالمرزوق فيهما إتمام إتيانهما في الجنة فالجنة ظرف لإتمام إتيانهما لأنفس الإتيان وهو منشأ الإشكال فلا محذور إذ الإتيان بالنوعين لما تم بالنوع الأخير أعني المرزوق في الآخرة صح أنه أتى بالمرزوق فيها في الآخرة أي إتمام إتيانه بمعنى مجرد الإثنينية فلا إشكال بأن هذا ليس بشيء لأن الجنة لما كانت دار الخلد والأبد لا يتصور الإتمام وهذا وإن كان تكلفا إذ ذكر الإتيان وإرادة إتمامه بعيد لكن الإشكال يندفع بالمرة بملاحظة القيد الذي اعتبرناه فإنه حينئذ يكون الزمان واحدا وهو زمان إتيانه في الجنة بملاحظة إتمامه فالمرزوق فيهما جميعا مأتي إتمامه بكونه اثنين في الجنة فالتعبير بالماضي حينئذ لتحقق وقوعه لا التغليب فإنه لا يرضى عنه اللبيب وأجيب أيضا بأنه فليكن المعنى وأتوا به في الدارين ولا يلزم أن يكون المعنى وأتوا به في الجنة وفيه إذ قوله مُتَشابِهاً [ البقرة : 25 ] يأبى عنه فإن إتيانه ليس متشابها إلا في الجنة دون الإتيان في الدنيا ورد البعض بأن إتيان ما في الدنيا ليس استقبالا حتى ينتظم مع الإتيان في الجنة أراد به أن أتوا به مستقبل عبر عنه بالماضي لتحقق وقوعه فالإتيان في الدنيا ماض محقق فلا ينتظم الإتيانان بلفظ واحد ثم قال والجواب أن التعبير الاستقبالي المعبر عنه بالماضي بالنظر إليهما تغليب وغفل أيضا عن عدم انتظام متشابها بإتيان المرزوق في الدنيا فخير الأجوبة أوساطها كما أن خير الأمور أوساطها . قوله : ( فإنه مدلول عليه بقوله هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ [ البقرة : 25 ] ونظيره قوله تعالى : إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما [ النساء : 135 ] ) أي الجنس مدلول عليه فيكون مرجع الضمير مذكورا معنى مثل قوله تعالى : اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [ المائدة : 8 ] ومراده الإشارة إلى صحة كون الجنس مرجعا مع عدم كونه مذكورا لفظا ونظيره قوله تعالى : إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما [ النساء : 135 ] أي بجنسي الغني والفقير ولو اعتبر اللفظ لقيل أولى به أي المشهود عليه لما ثبت في كتب العربية أن الضمير الذي مع أو يوحد لأن أو لأحد الشيئين كقوله تعالى : وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ [ البقرة : 270 ] فالنظير في هذه الآية لما نحن فيه باعتبار إرجاع الضمير باعتبار المعنى دون اللفظ لكن عكس ما نحن فيه إذ ثنى الضمير في بهما لما دل عليه الكلام من تعدد الجنسين مع أن مرجعه أحد الأمرين غنيا أو فقيرا لما مر من أن الضمير الذي مع أو يوجد وضمير يكن مفرد والمعنى يكن المشهور عليه غنيا أو فقيرا فترك إفراد الضمير لئلا يتوهم أن أولويته بالنسبة إلى ذات المشهود