اسماعيل بن محمد القونوي
5
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( كما عطف في قوله تعالى : إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [ الانفطار : 13 ، 14 ] ) الآية قيد للمنفي وجه حسن العطف فيها أن الجملة الأولى سيقت لبيان ثواب الأبرار والثانية لعقوبة الفجار فالمسند إليه في إحديهما ضد للآخر والتضاد من الجامع الوهمي وكذا المسند فيهما ضد باعتبار جزأيه إذ المسند لفي نعيم ولفي جحيم وجزاءهما أعني نعيم وجحيم متضادان . قوله : ( لتباينهما في الغرض ) متعلق بقوله ولم يعطف ( فإن الأولى ) أي القصة الأولى ( سبقت لذكر الكتاب وبيان شأنه ) أي بيان أنه بغاية الكمال في الهداية تقريرا لكونه يقينيا لا ينبغي أن يشك فيه وتحقيقا لكماله في جنس المتحدى به باعجازه لكونه في الذروة العليا في البلاغة والبراعة ( والأخرى ) أي القصة الأخرى ( مسوقة لشرح تمردهم ) وإصرارهم على الكفر والعناد ( وانهماكهم في الضلال ) والفساد بحيث لا ينفع لهم النذر والآيات فبين الغرضين تباين كليّ وما قيل الآيتان فيما نحن فيه أيضا مسوقتان لبيان حال الكتاب وهو أنه هدى لطائفة المتقين وليس هاديا لأضدادهم فيحسن العطف كما حسن في قوله تعالى عطف وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً [ الإسراء : 82 ] على قوله تعالى : ما هُوَ شِفاءٌ [ الإسراء : 82 ] أو على قوله تعالى : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ [ الإسراء : 82 ] قلنا لا كلام في صحة العطف بتلك الملاحظة لكن أوثرث الطريقة المذكورة وترك العطف إذ الكلام مسوق لذكرهم عند ذكر المؤمنين فطريق الأداء في الأول الحكم على الكتاب وجعل المتقين من تتمة ما حكم به وفي الثاني إثبات حكم على الكافرين ولذا جعل تصديره بأن علما على انقطاعه عن السابق والأخذ في فن آخر وقال القطب أما الغرض فلان الغرض من الجملة الأولى ذكر الكتاب والغرض من الجملة الثانية ذكر الكفار وأما الأسلوب فلأن الثانية مصدرة بأن دون الأولى فهي في التوكيد بخلافها وأما أسلوب قوله : إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [ الانفطار : 13 ، 14 ] فمن باب التقابل لأن المحكوم عليه في أحدهما مقابل للمحكوم عليه في الآخر وكذا المحكوم به بخلاف جملة الذين يؤمنون لأن المحكوم عليه بالحقيقة فيها الكتاب وهو ليس في مقابلة الكفار وكذا المحكوم به تم كلامه فما ذكرناه آنفا خلاصة كلام الشرح في هذا المقام لا مزيد عليه ثم قال صاحب الكشاف فإن قلت هذا إذا زعمت أن الذين يؤمنون جار على المتقين فأما إذا ابتدأته وبنيت الكلام على صفة المؤمنين ثم عقبته بكلام آخر في صفة أضدادهم كان مثل تلك الآي المتلوة قلت قد مر أن الكلام المبتدأ عقيب المتقين سبيله الاستئناف وأنه مبني على سؤال فذلك إدراج له في حكم المتقين وتابع له في المعنى وإن كان مبتدأ لفظا فهو في الحقيقة كالجاري عليه فخلاصة السؤال أن جملة إن الذين يؤمنون إذا كانت مستأنفة مستقلة في إفادة مفهومها استقلالا جملة إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ [ الانفطار : 13 ] يكون من مفهومي الجملتين تناسب التقابل المصحح للعطف من حيث إن الأولى أفادت أن المؤمنين في هدى وفلاح وأفادت الثانية أن الكافرين في ضلال لا فلاح لهم فإن نفي ما يؤدي إليه الشيء ونفي ما يؤدي إلى الشيء هو نفي لذلك الشيء ومحصول الجواب أن جملة الذين يؤمنون وإن كانت موردة على الاستئناف والاستقلال صورة لكنها في المعنى من جملة وصف الكتاب بالكمال من حيث إنها أفادت أن من شأنه أن المتمسك به ينال الهدى والفلاح فالأولى مسوقة لبيان شأن الكتاب والثانية لبيان حال المضممين على الكفر فهما متباينان في الغرض فأوجب هذا