اسماعيل بن محمد القونوي

496

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

ابتدأه منها بابتدائه من ثمرة فيها فصاحب الحال الأولى رزقا وصاحب الحال الثانية ضميره المستكن في الحال ) ولما أمكن أن يقال إنه يلزم حينئذ تعلق الحرفين بمعنى واحد بلا عطف وبلا إبدال أحدهما من الآخر بفعل واحد وهذا ليس بجائز عند الثقات من النحاة أشار إلى توجيهه فقال واقعتان موقع الحال فيه نوع تسامح إذ كون الحرف واقعة موقع الحال لا معنى له والمراد وقوع متعلقيهما موقعهما فيكونان ظرفين مستقرين فذو الحال الأولى رزقا وصاحب الحال الثانية ضميره المستكن في الحال فلا إشكال أصلا ويمكن توجيه قول صاحب الكشاف إن الظرف لغو متعلقة برزقوا بأن من الأولى متعلقة به مطلقا والثانية متعلقة به مقيدا بكونه من الجنات أو استوضح بقول النحاة أكلت من ثمره من تفاحه وهذا وجه حسن في مثل هذا لكن المص عدل عنه لا لعدم حسنه بل لاختياره الوجه الأحسن قوله وأصل الكلام أي مرجعه وما يؤول إليه الكلام وإنما احتيج إليه لأن ظاهر كلامه يوهم أن للشيء الواحد مبدأين مع أنه لا يجوز على الحقيقة أشار إلى دفعه فبين أن الرزق مقيد بكونه مبتدأ من الجنات وابتداؤه منها قيد بابتداء من ثمرة فمبدأ الرزق الجنات ومبدأ ابتداء الرزق من الجنات ثمرة فالمبدآن للشيئين قيل لا وجه له لأن المبدأ كما عرفت معناه ما يتصل به الأمر الذي اعتبر له امتداد محقق أو متوهم وللشيء اتصالات شتى كاتصاله بالمكان نحو سرت من البصرة والزمان نحو من أول يوم وبالفاعل وبالكل المأخوذ منه بل للمكان المحدود المربع مثلا ابتداء من كل حد من حدوده الأربعة فالابتداء في منها مكاني ومن ثمرة كلي كما في أعطي من المال إلى أن قال فارتكاب المص للتأويل من غير داع لا يخلو من الخلل انتهى . وأنت تعلم أن كون الجنة مبدأ للرزق إنما يحسن بملاحظة كون الثمرة مبدأ لابتدائها له بخلاف نحو سرت من البصرة من أول يوم إذ الجنة في الحقيقة ظرف للرزق لا مبدأ له « 1 » يعرف بالتأمل ولا يلتفت إلى ما قيل إن المشهور أن من الابتدائية قلت ما موقع من ثمرة قلت هو كقولك كلما أكلت من بستانك من الرمان شيئا حمدتك فوقع من ثمرة موقع قولك من الرمان كأنه قيل كلما رزقوا من الجنات من أي ثمرة كانت من تفاحها أو رمانها أو عنبها أو غير ذلك رزقا قالوا ذلك فمن الأولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية لأن الرزق قد ابتدأ من الجنات والرزق من الجنات قد ابتدأ من ثمرة وتنزيله تنزيل أن يقول رزقني فلان فيقال لك من أين فتقول من بستانه فيقال من أي ثمرة رزقك من بستانه فتقول من الرمان وتحريره أن رزقوا جعل مطلقا مبتدئا من ضمير الجنات مبتدئا من ثمرة وليس المراد التفاحة الواحدة والرمانة الفذة على هذا التفسير وإنما المراد النوع من أنواع الثمار هذا فلعل القاضي رحمه اللّه أخذ من عبارة الكشاف معنى الحالية في موضع من لما في ظاهر كلام الكشاف ما يوهم ذلك وليس المراد ذلك فإن تقرير الكشاف إنما هو على جعل من في الموضعين متعلقة برزقوا ولذا احتيج إلى التأويل بجعل إحداهما مقيدة للمطلق والأخرى مقيدة للمقيد ليكون الكلام على سنن قانون النحو وإلا فلا احتياج إلى ذلك التأويل لما أسلفناه آنفا .

--> ( 1 ) قال تعالى : وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا [ مريم : 62 ] .