اسماعيل بن محمد القونوي

492

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

والفرات نهر بغداد أي أخدودهما الذي يجري فيه الماء قال الزمخشري إن الفتح فيه افصح وهو في الأصل بمعنى الشق فأطلق على المشقوق وهو المكان ولذا فسره المص بالمجرى والجدول أصغر الأنهار كذا صرحوه ففي تعريف المص النهر خلل إذ الجدول كما عرفت من أفراد الأنهار غايته أنه أصغر الأنهار ولو قيل إن الجدول أخدود هو أصغر من الأنهار لتم المرام قيل كالنيل والفرات هما نهران عظيمان وهو يحتمل أن يكون تمثيلا للنهر أو للبحر إن لم نقل إنه مخصوص بالملح كما هو المشهور في الاستعمال قال الراغب اعتبر من البحر تارة ملوحته فقيل ماء بحر أي ملح وابحر الماء ملح وقال بعضهم البحر يقال في الأصل للملح دون العذب وبحران تغليب وكلام المص حيث قال والنهر دون البحر صريح في أنهما لا يجتمعان وأن النيل والفرات نهران لا بحران والتركيب للسعة أي تركيب ما أوله نون ثم الهاء ثم الراء لا يخلو عن معنى السعة فإن النهار اسم لضوء واسع ويقال انهرت الدم أي اسلته بكثرة وأما النهر بمعنى الزجر فالمراد به زجر بليغ كما فسره الراغب ففيه سعة معنوية قيل ومنه الرهن لأن فيه سعة للراهن والمرتهن فالمراد من التركيب التركيب من هذه الحروف مطلقا . قوله : ( والمراد بها ماؤها على الاضمار أو المجاز أو المجاري أنفسها ) وإسناد الجري إليها مجاز كما في قوله تعالى : وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها [ الزلزلة : 2 ] الأولى ما حل فيها سواء كان ماء أو لبنا أو خمرا أو عسلا إذ المذكور في الآية المذكورة هي الأنهار الأربعة وكذا المراد في الجنس فإن الأنهار التي تجري في أسفل أنهار الجنة ليست أنهار الماء فقط والجواب بأن الكلام محمول على التغليب أو المجاز بذكر المقيد وإرادة المطلق أي مطلق ما حل فيه بعيد وإن صح في نفسه وكذا الجواب بأن الماء أصل يحصل به حياة كل شيء فلذا خصص الذكر به لا يخلو عن تكلف قوله على الاضمار أي على تقدير المضاف أي تجري من تحتها مياه الأنهار أو ماء الأنهار فتأنيث تجري على المعنى لأن المراد به الجنس أو المجاز أي مجاز مرسل بطريق ذكر المحل وإرادة الحال قوله والمراد بها ماؤها على هذا ظاهر وأما على الاضمار ففيه تسامح إذ على تقدير المضاف لا يراد بالأنهار ماؤها أو المجاري أنفسها فحينئذ لا مجاز في الحذف ولا في الكلمة وإنما المجاز في الإسناد ولهذا قال وإسناد الجري إليها أي المجاري وهي الأنهار أنفسها مجاز عقلي قوله : والمراد ماؤها على الإضمار أي على أن يكون الماء مقدرا قبلها مضافا المعنى تجري من تحتها ماء الأنهار أو على أن يكون لفظ الأنهار مجازا لغويا مراد منها المياه تجوزا في الكلمة فيكون من باب المجاز المرسل والعلاقة الحالية والمحلية أو يكون التجوز في الإسناد ولفظ الأنهار حقيقة في معناه أسند الجريان إلى النهر حقيقته الإسناد إلى الماء لتلبس بين الماء والنهر كقولهم سال الوادي . قوله : كما في قوله : وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها [ الزلزلة : 2 ] حقيقته وأخرج اللّه من الأرض أثقالها ثم أسند الإخراج إلى الأرض لملابسة بينه وبينها من حيث إنها مبتدأ له .