اسماعيل بن محمد القونوي

490

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( واللام في الأنهار للجنس كما في قولك لفلان بستان فيه الماء الجاري ) أي للجنس من حيث وجوده في ضمن بعض فرد ما وهو العهد الذهني عبر عنه بالجنس لأنه من أفراد الجنس عند المحققين وليس مراده الجنس من حيث هو إذ الجري ليس من عوارض الماهية من حيث هي هي وهو ظاهر وكونه من قبيل الرجل خير من المرأة « 1 » سهو ولا الجنس من حيث تحققه في ضمن جميع الأفراد إذ لا يجري تحتها جميع ما صدق عليه مفهوم النهر إلا أن يقال إن المراد جميع أنهار الجنة فح يكون مآله العهد كما سيجيء وفي الكشف أي غير منظور فيه إلى استغراق وعدمه كما هو مقتضاه مثل أهلك الناس الدينار والدرهم أي الحجران المعروفان من بين سائر الأحجار وكما يستعمل للعموم في المقام الخطابي ولأقل ما هو مقتضاه في المقام الاستدلالي وقد يستعمل من غير نظر إلى الخصوص كما في المثال وكما في هذه الآية وهو كثير أيضا ولا يخفى ما فيه من المخالفة لما هو المشهور وكذا اللام في الماء الجاري في المثال المذكور للعهد الذهني حيث أخذ بوصف المعلومية في الذهن وتمييزها من بين سائر الماهيات في الذهن بخلاف المنكر وهذا البحث قد استفصى فيه الكلام في تعريف الحمد قول الطيبي في قول الزمخشري إنه للحاضر في الذهن أنت تعلم أن الشيء لا يكون حاضرا في الذهن إلا أن يكون عظيم الخطر معقودا به الهمم أي تلك أنهار التي عرفت أنها النعمة العظمى واللذة الكبرى محمول على وجود القرينة على ذلك والبيان بالحصر تنبيها على كثرته فقصد المبالغة فعبر قوله : واللام في الأنهار للجنس ذكر رحمه اللّه في تعريفها وجهين الجنس والعهد الخارجي وصاحب الكشاف ثلاثة الجنس والتعويض والعهد قال وأما تعريف الأنهار فإن يراد الجنس كما تقول لفلان بستان فيه الماء الجاري والتين والعنب وألوان الفواكه تشير إلى الأجناس التي في علم المخاطب أو يراد أنهارها فعوض التعريف باللام من تعريف الإضافة كقوله وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [ مريم : 4 ] أو يشار باللام إلى الأنهار المذكورة في قوله : فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ [ محمد : 15 ] الآية هذا فإن كان المراد بها تعريف الجنس يشار بها إلى ما هو حاضر في ذهن المخاطب ومعلوم أن الشيء لا يكون حاضرا في الذهن إلا أن يكون عظيما خطيرا معقودا به الهمم أي تلك الأنهار التي عرفت أنها النعمة العظمى واللذة الكبرى وإن حمل على التعويض يكون المراد أن هذه الأنهار المتعددة لتلك الجنان المتنوعة بحسب التوزيع كقولهم بنو فلان ركبوا خيولهم قيل إن ذكره على مذهب الكوفيين فهو مرجوح والأولى أن يأول بأنه أراد الاستغناء عن الإضافة لحصولها بالقرينة لا بإدخال اللام ثم ادخل اللام لأن المراد معين فقد صرح بهذا المعنى في قوله تعالى : فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى [ النازعات : 39 ] قال أي مأواه وليست اللام بدلا عن الإضافة وفي كلامه ههنا إشارة أيضا إلى ذلك حيث قال فعوض التعريف باللام من تعريف الإضافة دون أن يقول اللام عوض عن الإضافة وإن أريد بها العهد يكون المراد ما هو المعلوم المعهود بقوله عز وجل : فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ [ محمد : 15 ] .

--> ( 1 ) فيه رد على عصام الدين .