اسماعيل بن محمد القونوي

487

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( لقوله تعالى : وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ [ البقرة : 217 ] ) هذه الآية تدل على أن الموت على الكفر محبط للعمل ولا خلاف فيه لأحد وما قاله الإمام من أن القول بالاحباط باطل لأن من أوتي بالإيمان والعمل الصالح استحق الثواب الدائم فإذا كفر بعده استحق العقاب الدائم ولا يجوز وجودهما جميعا ولا دفع أحدهما بالآخر إذ ليس زوال الباقي بطريان الطاري أولى من اندفاع الطاري بقيام الباقي فمأول بأن القول بالاحباط بحسب العقل باطل كما فهم من كلام الكشاف حيث قال وركز في العقول أن الإحسان إنما يستحق فاعله المثوبة والثناء إذا لم يعقبه بما يفسده وأما الاحباط بحكم الشرع فثابت كيف ينازع الإمام فيه مع أن النص بعبارته ناطق به ولا يبعد أن يقال إن مراده أن القول بالاحباط بالردة مطلقا سواء كان باقيا على ردته حتى يموت أو آمن بعدها باطل كما ذهب إليه الأئمة الحنفية بل احباطه بها لا يكون بالموت على الكفر لقوله تعالى : وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ [ البقرة : 217 ] الآية وكذا أشار بإيراد هذه الآية قوله : وقد ركز في العقول إلى آخره إنما يصح فيما إذا كان المثيب من ينتفع بإحسان فاعله ويتضرر بتركه وأما إذا لم يكن كذلك فلا يستقل العقل به بل يستفاد ذلك من مشكاة النبوة بإنزال الوحي الإلهي قال الإمام القول بالاحباط باطل لأن من أتى بالإيمان والأعمال الصالحة استحق الثواب الدائم فإذا أتى بعده بالكفر استحق العذاب الدائم ثم لا يخلو إما أن يوجدا معا وهو محال أو يتدافعا وليس زوال الباقي بطريان الطارىء أولى من اندفاع الطارىء لقيام الباقي فيبطل القول بالإحباط وعند هذا تعين أن يقال العبد لا يستحق على الطاعة ثوابا ولا على المعصية عقابا استحقاقا عقليا واجبا وهو قول أهل السنة واختيارنا وبه يحصل الخلاص عن ظلمات هذه الورطة وعلى هذه يحتاج إلى تأويل كل ما جاء بلفظ الإحباط في الكتاب والسنة وموضعه علم الكلام وأجيب عما ذكره الإمام بمنع عدم الأولوية فإن الطارىء إذا وجد امتنع عدمه مع الوجود ضرورة امتناع اجتماع الوجود والعدم ووجوده يستلزم عدم الباقي أعني العدم بعد الوجود وهو ليس بمحال وبأنه منقوض بانتفاء الشيء بطريان ضده كالحركة بالسكون والبياض بالسواد أقول يمكن أن يدفع هذا الجواب بأن يقال لا يلزم أن يكون الطارىء ضد الباقي حتى يمتنع أن يجتمعا في الوجود كشرب الخمر بعد الصوم والتكلم بالكذب بعد الصلاة والزنا بعد التصدق والانفاق بل أكثر الأعمال من هذا القبيل وأيضا الأعمال من قبيل الاعراض والاعراض لا تبقى زمانين سواء طرأ عليه ضده أو لا فالنزاع ليس في أن عملا هو عرض يمحوه عمل آخر هو ضده أم لا لأن العمل لكونه عرضا ينمحي من ساعته لا يتوقف في انمحائه إلى طريان الضد بل النزاع في أن استحقاق الأجر على العمل الصالح هل ينمحى ويتلاشى يطرو ضده الذي هو العمل السيئ أم لا فح يجوز أن يبقى استحقاق الأجر على صالح العمل بعد طريان ضد ذلك العمل ولما جاز بقاء الاستحقاق على الأجر بعد طريان الضد فاندفاع الباقي بالطارىء ليس أولى من عكسه فاستقام كلام الإمام وصح يدل على أن مراده ما ذكرنا ذكر لفظ الاستحقاق في كلامه فمعنى قوله إما أن يوجدا معا أي إما أن يوجد الاستحقاقان معا إلى آخره قوله ولعله سبحانه وتعالى لم يقيد ههنا أي لم يقيد الحكم بالثواب على الإيمان والعمل الصالح بالاستمرار والثبات عليهما استغناء عن ذكر هذا القيد بتلك الآية القائلة وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ [ المائدة : 54 ] الآية .