اسماعيل بن محمد القونوي

486

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

والنقلية شائع في اصطلاحهم ومن زعم أن حمل الجنات على الجنان الثمانية لا يلائمه مقابلة الجمع بالجمع لأن مقتضاه الانقسام والتوزيع وقد روعي ذلك في قرينها السابق ولا مجال لرعايتها هنا لعدم العهد في توزيعها فقد زعم قيل ولا يلزم منه أن لا يحتوي كل من الثمان على جنان صغائر كاحتواء كل من الأفلاك السبع على أفلاك صغار كما بين في علم الهيئة بل المراد من المراتب تلك الجنان الصغار فلا يرد ما قيل يفهم من ظاهره أن لا يكون في واحدة منها جنات ونص الكتاب ناطق بخلافه حيث قال تعالى : جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [ طه : 76 ] انتهى وفي الحديث فيقول يا ابن آدم ما يصريني منك أيرضيك أن أعطيك الدنيا أي قدرها ومثلها معها الحديث وفي رواية قال اللّه تعالى : ( هو لك وعشرة أمثاله ) فإذا كان لواحد من أهل الجنة عشرة أمثال الدنيا فكثرة الجنان وعظمها مما لا يعرف كنهه فالمراد بصغار الجنان بالإضافة إلى الجنان السبع أو الثمان . قوله : ( واللام تدل على استحقاقهم إياها لأجل ما ترتب عليه من الإيمان والعمل الصالح لا لذاته فإنه لا يكافىء النعم السابقة فضلا عن أن يقتضي ثوابا وعقابا وجزاء فيما يستقبل بل يجعل الشارع بمقتضى وعده تعالى ) أي اللام في لهم للاستحقاق هذا تمهيد لما ذهب إليه المعتزلة من أن إثابة اللّه تعالى واجبة عليه وأن استحقاق الثواب لذاته فأشار الرد بقوله لا لذاته ثم استدل عليه بقوله فإنه لا يكافىء النعم السابقة أي الموجبة للعبادة وتلك خلق الإنسان على أحسن النظام وخلق آبائه وسائر ما يحتاج إليه فهو كأجير أخذ الأجر قبل العمل فهو لا يستحق بعبادته أجرا وثوابا لذاته فح يكاد أن يسأل إذا كان الحال على هذا المنوال فما معنى الاستحقاق « 1 » أشار إلى دفعه بقوله بل بجعل الشارع الخ والجزاء والاستحقاق بمقتضى وعده فلذا قال تعالى : جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً [ النبأ : 36 ] أي جزاء بمقتضى وعده عطاء تفضلا منه إذ لا يجب عليه شيء واجتماع المتقابلين بالاعتبارين مما لا كلام في مساغه . قوله : ( ولا على الاطلاق بل بشرط أن يستمر عليه حتى يموت وهو مؤمن ) الضمير في عليه راجع إلى ما ترتب عليه الثواب من الإيمان والعمل الصالح والاستمرار عليه بعدم صدور ما ينافيه وبعدم تخلل الردة معاذ اللّه تعالى فإن تخلل الردة بطل أعماله الصالحة عندنا وعند الشافعي لا يبطل وبقي موقوفا فإن آمن بعده فالعمل الصالح باق كما كان كأنه لم يتخلل الردة وإلا فحبطت أعمالهم فلا يقيم لهم يوم القيامة وزنا فعلم منه أن مراده بالاستمرار عليه ليس عدم الردة فإنه قد عرفت أنه لا يضر مطلقا بل الموت وهو مؤمن سواء تخلل الردة ثم أمن أولا فالاعتبار عندهم أن يموت وهو مؤمن ولهذا قيد قوله حتى يموت بقوله وهو مؤمن والبحث عن صحة قول مؤمن إن شاء اللّه ليس هنا محله التام « 2 » .

--> ( 1 ) ولو قيل اللام للاختصاص ولم يتعرض للاستحقاق لكان أسلم من التكلف . ( 2 ) فيه إشارة إلى أن قول مولانا خسرو وهذا متفق عليه بين الأشاعرة والماتريدية فإن حصول المراتب الأخروية مشروط بالموت على الإيمان بلا خلاف نوع اجمال والواضح ما ذكرناه .