اسماعيل بن محمد القونوي

48

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

بالتغشية والتغطية يؤيد ما ذكرنا وأعجب منه ما قيل إن الغشاوة اسم آلة والاستعارة في أسماء الزمان والمكان والآلة تبعية إذ لم يثبت فعالة في صيغ الآلة وإن سلم ثبوته في فعال بلا تاء كالإزار والإمام مع ما فيه من النظر وجعل بعضهم تبعية لكن لا لما ذكر فإنه خلاف ما نقل عن السلف بل لأن قوله تعالى : وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ مؤول بالقول وغشي أبصارهم فبهذا التأويل تكون الاستعارة تبعية وهذا أشد غرابة مما سبق أما أولا فلأن تأويل الشيء بالشيء لا يجب أن يعطى له حكمه كما ثبت في موضعه وأما ثانيا فلأنه يمكن التأويل بالجملة الفعلية في كل صورة تكون الاستعارة فيها أصلية مثلا أسد يرمي يمكن تأويل رأيت بيأسد بناء اشتقاق الفعل من الجوامد كما مر تفصيله وسيجيء بيانه إن شاء اللّه تعالى على أن المراد بإيثار الجملة الاسمية الإيذان بدوام مضمونها فإن ما يدرك بالقوة الباصرة من الآيات المنصوبة في الآفاق وفي الأنفس حيث كانت مستمرة كان تعاميهم أيضا كذلك مستمر وأما الآيات التي تتلقى بالقوة السامعة فلما كان وصولها إليها حينا فحينا أوثر في بيان الختم عليها وعلى ما هي أحد طريقي معرفته وهو القلب الجملة الفعلية كما صرح به صاحب الإرشاد فلا ندع النكتة البارعة المشعرة بكمال البلاغة بأوهام خاطئة اخترعها أذهان خالية وليت شعري كيف تورطوا بهذه التعسفات الغربية عن الأذهان المستقيمة لا سيما في أفصح الكلام كلام اللّه الملك العلام فإن الواجب فيه اعتبار أجزل الكلام في بيان النكات وتحقيق المقام قوله أو مثل قلوبهم فعل ماض من التمثيل وهو معطوف على سماه إشارة إلى توجيه آخر أفصح من الأول والمراد بالتمثيل الاستعارة التمثيلية فإن المجاز المركب يسمى التمثيل على سبيل الاستعارة وقد يسمى التمثيل بلا تقييد بقولنا على سبيل الاستعارة ومشى المصنف هنا على هذه التسمية ولم يقيده بالاستعارة ولا التباس لأن التشبيه المركب بدون الاستعارة يسمى تشبيه تمثيل أو تشبيها تمثيليا توضيحه أن الهيئة المنتزعة من أمور عديدة وهي القلوب والأسماع والأبصار مع الهيئة الحادثة فيها المانعة من نفوذ الحق التي خلقت تلك الآلات لأجله شبهت بالهيئة المأخوذة من أمور كثيرة متعددة للانتفاع بها في الأغراض الدنيوية مع المنع من ذلك بالختم أو التوطئة فاستعير اللفظ المركب لإفادة الهيئة المشبه بها للهيئة المشبهة فاستعمل فيها فيكون كل واحد من طرفي التشبيه مركبا من أمور عديدة والجامع أيضا هيئة منتزعة من عدة أمور هي عدم الانتفاع مطلقا بما أعد وخلق له بسبب حدوث مانع منه وهو عقلي فظهر من تقرير الاستعارة التمثيلية أن اللفظ المركب يجب أن يكون لفظا مركبا وهنا ليس كذلك حاول توجيهه فقال إذا حمل ما نحن فيه على الاستعارة كان المستعار لفظا مفردا وإذا حمل على التمثيل كان المستعار لفظا مركبا بعضه ملفوظ وبعضه منوي في الإرادة وإنما صرح بالختم والتغشية لأنهما العمدة في تلك الحالة المركبة فيلا حظ باقي الأجزاء بألفاظ متخيلة إذ لا بد في التركيب من ملاحظة قصدية متعلقة بتلك الأجزاء وتمام البحث في تحقيق الاستعارة في قوله تعالى : أُولئِكَ عَلى هُدىً الآية . يعني أن الألفاظ المنوية كالملفوظة لقوة دلالة ما ذكر وهو الختم هنا على ما بقي كالأبواب والأقفال وغير ذلك مما يقع عليه ضرب الخاتم إذ الختم يقتضي ذلك فإذا قوي الدلالة