اسماعيل بن محمد القونوي
469
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
اعجازه وإذا ظهر ذلك فمن كفر به استوجب العقاب ومن آمن به استحق الثواب وذلك يستدعي أن يخوف هؤلاء وبشر هؤلاء ) عطف على قوله على الجملة السابقة بإعادة الجار لطول ذكره ولما كان هذا العطف غير صحيح بحسب الظاهر أما أولا فلأنه لا بد من ارتباطه بالشرط المذكور أي فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا [ البقرة : 24 ] لعطفه على جزائه والربط خفي وأما ثانيا فلأنه يلزم منه عطف أمر مخاطب على الأمر لمخاطب آخر من غير تصريح بالنداء حاول بيان وجهه بحيث يندفع به الوهمان المذكوران فقال لأنهم الخ حاصله أن المخاطب بالأمر الأول وإن كان الكافرين المعارضين ظاهرا لكن في الحقيقة خطاب للرسول عليه السّلام لأن معنى اتقوا فأنذرهم بالنار فيتحد المسند إليهما في المتعاطفين فارتفع الإشكال الثاني « 1 » وأما دفع الإشكال وأما ثانيا فلأنهم إذا لم يعارضوا القرآن ظهر أنه معجز فمن صدق به استحق الثواب ومن كفر به استحق العذاب وهذا يقتضي انذار هؤلاء وتبشير هؤلاء فلهذا يترتب التبشير على عدم المعارضة كما يترتب الانذار وفيه نظر أما أولا فلأن قوله : وَبَشِّرِ [ البقرة : 25 ] ليس له دلالة على قوله : فَاتَّقُوا [ البقرة : 24 ] من ثواب أضدادكم بوجه من الوجوه فلا يجوز استعماله فيه كذلك وأما ثانيا فلما ذكرنا أن الاستدعاء إن سلم لا يدفع السؤال إلى آخره على أن الأمر بالاتقاء من ثواب الأضداد لا يصح إلا بتكلف آخر والظاهر قول صاحب المفتاح واللّه أعلم لكن يحتاج في قوله : إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا [ البقرة : 23 ] الآية إلى تكلف لأن هذا داخل ح تحت حيز القول وهو لا يصلح بحسب الظاهر أن يكون مقولا للشيء وذلك التكلف هو أن يكون قوله : وَإِنْ كُنْتُمْ [ البقرة : 23 ] الآية مسوقا على طريق كلام الأمر ويكون المراد ذكره عند الأداء بعبارة يليق به مثل وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ [ البقرة : 23 ] مما نزله علي وذهب بعضهم إلى أنه عطف على قل مرد قيل فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا [ البقرة : 24 ] أقول الأنسب عندي في توجيه العطف على فَاتَّقُوا [ البقرة : 24 ] أن يقال إن جزاء الشرط المذكور في الحقيقة فَآمِنُوا [ آل عمران : 179 ] كما هو المختار لكن أقيم مقامه فَاتَّقُوا لنكتة ذكرت فالمعنى فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا [ البقرة : 24 ] أي وإن لم تأتوا بمثله فآمنوا به وبشر يا محمد الذين آمنوا منهم بالجنة فليوحد منهم الإيمان ومنك يا محمد البشرى لهم بالجنة على أن يكون الَّذِينَ آمَنُوا [ البقرة : 25 ] مظهرا موضوعا موضع المضمر أي وبشرهم بالجنة أن الذين آمنوا به وعملوا بمقتضاه وفي هذا الوضع حثهم على الإيمان أيضا ويجوز أن يكون هذا على نحو قول القائل يا زيد إن تعرف صنعة الكتابة فاكتب لي هذا الكتاب وأعط أجرة كتابته على أن يكون المراد وأعط يا عبدي بعطف أعط على جزاء الشرط فإنه لا يجوز إقامة المعطوف مقام المعطوف عليه بأن يقال يا زيد إن تعرف صنعة الكتابة أعط أجرة كتابته لكن يمكن أن يوجد التلاؤم بين المعطوف والمعطوف عليه بحسب المعنى إذا صرح بالنداء والمنادى بأن يقال وأعط يا عبدي أجرة كتابته فإن المقصود من هذا الكلام طلب الكتابة من زيد وطلب إعطاء الأجرة من العبد فكأنه قيل يا زيد إن تعرف صنعة الكتابة فليكن منك كتابة هذا الكتاب ومن عبدي اعطاء أجرتك ويجوز أن لا تكون الواو في وَبَشِّرِ [ البقرة : 25 ] للعطف حتى يستدعي بين المعطوفين جهة جامعة بل الواو التي تسمى واوا استئنافية ومثل هذه كثير في الكلام .
--> ( 1 ) كما أشار إليه بقوله يستدعي أن يخوف أي النبي عليه السّلام هؤلاء الكفرة كأنه قيل فأنذر هؤلاء الكفار بعد ظهور الحق والصواب ويبشر هؤلاء المؤمنين كما قال وَبَشِّرِ [ البقرة : 25 ] الآية .