اسماعيل بن محمد القونوي

449

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

حاله وغير ذلك وقد صرح في المطول أن بيان المقدار لا يقتضي الأتمية والاقوائية بل يقتضي أن يكون المشبه به على مقدار المشبه لا أزيد ولا أنقص لتعين مقدار المشبه على ما هو عليه نعم أن المشبه به لا بد وأن يكون أشهر إذا كان الغرض من التشبيه راجعا إلى المشبه فما يستفاد من الآية تعليق الاتقاء بعدم الإتيان بما يساويه في البلاغة وأما تعليقه بعدم الإتيان بما يدانيه في البلاغة فبناء على أن ما يدانيه مثله في البلوغ إلى حد الإعجاز وإن كان القرآن في طرف الأعلى من البلاغة والفصاحة فلا ينافي تعليق الاتقاء بعدم الإتيان بما يساويه التعليق بالعجز عن الإتيان بما يدانيه وفيه إشارة إلى أن المثل في قوله تعالى : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [ البقرة : 23 ] عام للمساواة وهو المشابهة التامة وما يدانيه أي ما يقارب المساواة وكلاهما بالغان حد الإعجاز فكلاهما مستفادان من صريح اللفظ فأنت مخبر في اعتبار المساواة والمداناة فلا حاجة إلى حمل أو في قوله أو يدانيه إلى معنى بل . قوله : ( ظهر أنه معجز والتصديق به واجب فآمنوا به واتقوا العذاب المعد لمن كذب ) ظهر أنه معجز جزاء لقوله إذا اجتهد تم الخ . وقد عرفت أنه في المعنى كلامان اختار الجملة الخبرية في الجزاء هنا ولم يقل فاتركوا العناد للتحاشي عن محل الاختلاف لأن وقوع الإنشائية جزاء للشرط بلا تأويل كما في خبر المبتدأ مختلف فيه منهم من أوجب التأويل ومنهم من لم يوجبه ولما لم يصلح قوله تعالى : فَاتَّقُوا النَّارَ الخ جزاء حقيقة لعدم الارتباط فتصوير الجزاء الحقيقي الذي نزل لازمه منزلته بالخبر أولى من الإبراز بالإنشاء وأما الزمخشري فقدر الإنشائي حيث قال فقيل لهم إن استبنتم العجز فاتركوا العناد إما موافقة للجزاء الصوري أو تنبيها على أن الإنشائية وقعت جزاء بلا تأويل أو مع تأويل مشهور بينهم كأنه لا تأويل وأما المصنف صوره بما يصلح للجزاء اتفاقا ولم يعتبر الموافقة للجزاء الظاهري لعدم كونه جزاء حقيقة ولكل وجهة فلما اختار في تصوير الشرط قوله إذا اجتهد تم توضيحا لقوله فإن لم تفعلوا لا جرم أنه يترتب على ذلك ظهور إعجاز القرآن حيث اعتبر في جانب الشرط عجزهم عن معارضته جميعا إشارة إلى فائدة قوله تعالى : وَلَنْ تَفْعَلُوا [ البقرة : 24 ] الذي معترضا بين الشرط وما نزل منزلة الجزاء فجعل الجزاء قوله ظهر أنه معجز والتصديق به واجب ففرع عليه قوله فآمنوا به واتقوا العذاب فهو داخل في لازم الجزاء إذ ظهور أنه معجز والتصديق به واجب من أسباب الأمر بالإيمان والأمر باتقاء العذاب إذا لم يؤمنوا به وبهذا البيان انكشف حسن ما اختاره طاب اللّه ثراه حيث جعل الجزاء ذلك ولم يجعل آمنوا واتقوا لدفع ما خلج في صدر المتصلفين من أنه يلزم الأمر بالإيمان معلقا باليأس عن المعارضة بالقرآن مع أنهم مأمورون بالإيمان منجزا وألا يلزم أن لا يعذب من مات منهم قبل ظهور اليأس عنها على ترك الإيمان وهذا ظاهر لزوما وفسادا . قوله : فآمنوا به اختيار منه أنه جواب الشرط لكن حذف هو وأقيم مقامه فَاتَّقُوا [ البقرة : 24 ] أقامه اللازم مقام الملزوم فمكنى به عنه فإن الإيمان بما جاء به محمد والتصديق بأنه كلام اللّه يلزمه اتقاء النار لأن التكذيب مستوجب النار .