اسماعيل بن محمد القونوي

446

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

وهذا ليس مذهب الجاحظ بل هذه الصورة ليست بصدق ولا كذب عنده أما عدم الصدق فظاهر وأما عدم الكذب فلأن الكذب عنده عدم مطابقة الواقع مع الاعتقاد بأنه غير مطابق فكون الكذب عبارة عن عدم مطابقة الاعتقاد وإن كان مطابقا للواقع مذهب النظام لا مذهب الجاحظ وانكشف منه أن الجاحظ لا مساغ له لإلزام الجمهور بهذه الآية فإنها يمكن إقامتها عليه لإلزامه كما عرفت من قولنا إنه قد علم من تكذيب اللّه تعالى المنافقين أن عدم مطابقة الواقع ليس بمعتبر في الكذب وإن عدم مطابقة الواقع كاف فيه فكيف يقيم على الجمهور لإلزامهم ما يقام عليه لإلزامه فجعل هذه الآية دليلا للجاحظ في غاية من الغفلة غاية الأمر أن الصدق عبارة عن مطابقة الواقع مع مطابقة الاعتقاد حيث كذب اللّه المنافقين في قولهم إنك لرسول اللّه مع أنه مطابق للواقع لما لم يعتقدوا مطابقته وأما الكذب فهو عدم المطابقة للواقع مع الاعتقاد بأنه غير مطابق فلا يدل عليه هذه الآية فمنشأ الغفلة كون الآية دليلا على أحد شقي مدعاه وهذا هفوة من طغيان القلم واللّه تعالى أعلم فالإيراد قوي ودفعه ردي ورد بصرف التكذيب « 1 » الخ . قولهم نشهد إنشاء لأنه إيجاد معنى بلفظ يقارنه في الوجود والشهادة وجدت بلفظ نشهد وقول مشايخنا في تعريف الشهادة إخبار بحق للغير على آخر بناء على أن لفظه خبر وإلا فكونه إيجاد معنى يقارنه في الوجود مما لا سترة فيه لأحد فضلا للأئمة المجتهدين فالقول بأن الشهادة الخبر القاطع عند الحنفية وإنشاء عند الشافعي ظاهري لا تحقيقي ويؤيد ما قلنا قول السروجي إنه لا نعرفه وإنما هي إنشاء عندنا أيضا لكنه لتضمنه الاخبار من دعوى العلم يطلق عليه الكذب قوله لأن الشهادة إخبار عما عمله الخ . إشارة إلى ما ذكرناه إذ مراده لأن الشهادة إخبار بحق للغير على آخر وهذا يتضمن بأنه عالم به وأيضا التعبير بإخبار مع أنها إنشاء عند الشافعي لما ذكرناه وأيضا للتنبيه على أن المشهودية خبر فحينئذ الصدق الإخبار المطابق بلا اعتبار مع اعتقاد المخبر قيل إن قول المصنف ورد بصرف التكذيب الخ . ليس في موقعه لأنه إنما يكون رد الكلام النظام دون ما ذكره الراغب حيث قال الراغب وأما الصدق فإنه يحد بأنه مطابقة الخبر المخبر عنه لكن حقيقته وتمامه أن يطابق في ذلك ثلاثة أشياء وجود المخبر عنه على ما أخبر عنه واعتقاد المخبر فيه ذلك عن دلالة وأمارة وحصول العبارة مطابقا لهما فمتى حصل ذلك وصف بالصدق المطلق ومتى ارتفع ثلاثتها وصف بالكذب المطلق ومتى حصل اللفظ والمخبر عنه والاعتقاد بخلافه صح أن يوصف ألا ترى أن اللّه تعالى كذب المنافقين في إخبارهم إنك لرسول اللّه لما كان اعتقادهم غير مطابق لقولهم فإذا قال لك من اعتقد كون زيد في الدار إن زيدا في الدار ولم يكن فيها صح أن يقال صدق اعتقاد أو كذب انتهى ما ذكره الراغب ولما حمل هذا القائل الفاضل كلام المصنف وقيل مع اعتقاد المخبر على أنه

--> ( 1 ) هذا أولى مما قيل من أن مذهب الراغب بعينه مذهب الجاحظ فإن في كلام الراغب ما يأبى عن ذلك فتأمل إذ اعتراف الجمهور أن الحكم يكذبهم لكونهم معتقدين بكذبهم والقرآن نزل على اعتقاد المخاطب وهو كثير وما نقل عن الراغب اعتقاد المخبر ما اخبر عن دلالة وأمارة وشتان ما بين الاعتقادين .