اسماعيل بن محمد القونوي
445
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
علمه وهم ما كانوا عالمين به ) عن دلالة أي اعتقادا ناشئا عن دلالة دليل يقيني وفي معناه الاعتقاد الناشئ عن البديهة إذ الاعتقاد لا ينحصر بما هو عن دليل فلو أشار إليه لكان أتم بيانا وأمارة أي اعتقادا ناشئا عن دليل ظني بناء على أن الاعتقاد عام للحكم الجازم أو الراجح بخلاف العلم فإنه مختص بالحكم الجازم على ما هو المشهور في اصطلاحنا بخلاف اصطلاح الحكماء وعن هذا لم يقل مع علم المخبر والأولى عن دليل أو أمارة بدل عن دلالة وظاهر أن هذا مذهب الجاحظ والاستدلال المذكور للنظام كما في المفتاح والتلخيص حيث قال النظام صدق الخبر مطابقته لاعتقاد المخبر ولو كان ذلك الاعتقاد خطأ وكذبه عدم مطابقته لاعتقاد المخبر ولو كان خطأ فلا واسطة بين الصدق والكذب عنده كمذهب الجمهور دليله ما ذكره المصنف وأما الجاحظ فقال صدقه مطابقته مع الاعتقاد بأنه مطابق وكذبه عدمها مع الاعتقاد بأنه غير مطابق وهذا ما ذكره المصنف بعينه نقل عن شرح التلخيص لابن السبكي أن ابن الحاجب جعل هذه الآية : دليلا للجاحظ وتبعه المصنف لأنها تصلح له انتهى وجه صلاحيتها له ما قيل من أن إيراد المصنف ذلك من طرف الجاحظ ليس للاستدلال على تمام مذهبه وهو كون الصدق مجموع المطابقتين بل على ما تفرد به من الجمهور وهو ضم مطابقة الاعتقاد التي هي الأصل المسلم عندهم وبالجملة فغرضه إلزام الجمهور لا إثبات مدعاه ولا إلزام النظام وإن جعل صاحبي المفتاح والتلخيص ذلك دليلا لمذهب النظام ليس لإثبات مدعاه ولا لإلزام الجاحظ بل لإلزام الجمهور حسبما يظهر من سوق كلام النظام كذا قيل ولا يخفى ما فيه لأن قول المصنف لأنه تعالى كذب المنافقين الخ . إنك لرسول اللّه لما لم يعتقد ولمطابقته ورد بصرف التكذيب إلى قولهم يشهد لأن الشهادة إخبار عما علمه ظاهر في الاستدلال على تمام مذهبه وحمله على الإلزام لا يساعده الكلام وإن كان له وجه في بيان المرام وقال بعض الفضلاء مبني ما ذكره المصنف على أن مطابقة الواقع معتبرة في مفهوم الصدق بلا نزاع لكثرة الأدلة عليها فلما كذب اللّه المنافقين علم أنه اعتبر معها شيء آخر وهو مطابقة الاعتقاد فتأمل انتهى . وهذا مذهب الجاحظ بعينه فيرد عليه الإيراد المذكور من أن الدليل للنظام والبيان المذكور لا يفيد شيئا ولعل لهذا قال فتأمل أو نقول إنه قد علم من تكذيب اللّه تعالى المنافقين أن الكذب يتحقق بعدم مطابقة الاعتقاد وإن كان الحكم مطابقا للواقع قوله : ورد بصرف الكذب إلى قولهم نشهد أي الكذب إنما هو في تسميتهم هذا الاخبار الخالي عن الاعتقاد شهادة فإن الشهادة عند أهل اللغة ما يكون عن علم واعتقاد لما شهد به وفيه نظر لأن ذلك غلط لا كذب كقولك خذ هذا الكتاب مكان خذ هذا الثوب والحق إن الكذب إنما هو في ادعائهم المواطأة في شهادتهم هذه فالتكذيب راجع إلى شهادتهم هذه باعتبار تضمنها خبرا كاذبا لا يطابق الواقع وهو أن شهادتنا من صميم قلوبنا وخلوص اعتقادنا بدليل مؤكدات الحكم وهي أن واللام واسمية الجملة أو في المشهود به اعني في قولهم إنك لرسول اللّه لكن لا في الواقع بل في زعمهم الفاسد لأنهم يعتقدون أن خبرهم هذا كاذب غير مطابق للواقع فيكون كاذبا في اعتقادهم وإن كان صادقا في نفس الأمر .