اسماعيل بن محمد القونوي
443
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
ووجوه المشاهد الوجوه جمع وجه بمعنى الخيار مستعار من الجارحة للرؤساء والمشاهد جمع مشهد بمعنى المجلس الذي يحضره الناس الكبار . قوله : ( ليشهدوا لكم أن ما أتيتم به مثله ) فيه إشارة إلى أن الشهداء في هذا الوجه بمعنى القائم بالشهادة كما في الوجه الثالث المذكور بقوله أو فادعوا من دون اللّه شهداء يشهدون لكم الخ والفرق بينهما بالحمل على ظاهره هناك وبتقدير المضاف هنا ويظهر منه تفاوت المعنيين وأنت خبير بأن الخطاب بإتيان سورة لكل الفصحاء فلا يبقى فصيح لم يتناول الخطاب له حتى يكون مدعوا فضلا عن بقاء الفصحاء وأيضا من أين يعلم امتياز الفصحاء الداعين من الفصحاء المدعوين ومجرد احتمال الامتياز بالحضور في دار النبوة وعدم حضوره فيها أو القول بأن المأمورين بالإتيان ضعفاؤهم والمدعوين أشرافهم كما يلوح إليه قوله ووجوه المشاهد في غاية من الضعف وإن كان له وجه في الجملة ومن هذا يتضح ضعف هذا الوجه من جهة المعنى كما ظهر ضعفه من جهة المبنى . قوله : ( فإن العاقل لا يرضى لنفسه أن يشهد بصحة ما اتضح فساده وبان اختلاله ) علة لمقدر يستفاد من المقام كأنه قيل فإنهم لا يشهدون لكم أيضا وإن كانوا ناصرين لكم في مهماتكم فإنهم من العقلاء والعاقل لا يرضى وهذا كبرى يؤخذ منها صغرى سهلة الحصول كما أشرنا إليه فتنتج ما حاصله أنهم لا يشهدون لكم وهذا في غاية التبكيت ونهاية الإسكات حيث صور في صورة الانصاف المسكت للخصم المشاغب وفيه إشارة عليه بهية إلى أن إعجاز القرآن قد بلغ من الظهور حدا لا يمكن معه الإخفاء وفيه مناقشة وهي أن من تصدى لإتيان سورة مثله وادعى أن ما آتيناه مثله مع كونه عاقلا بليغا إذا رضي لنفسه أن يدعي بصحة ما ظهر بطلانه واتضح اختلاله فكيف يستبعد من العاقل الشهادة « 1 » المذكورة فقوله فإن العاقل لا يرضى الخ . منظور فيه والمستند ما ذكرناه فإن التعصب والمكابرة كما يصح ممن تصدى لإتيان السورة يصح ذلك ممن يريد الشهادة وإلا فما الفرق بينهما وأيضا فإنهم لكونهم حسادا كانوا مؤوفي العقل كما صرح به المصنف في تفسير قوله تعالى : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً [ البقرة : 10 ] الآية . فيتوقع منهم التصدي بالشهادة كالاشتغال بالإتيان وأيضا يظهر من ذلك خلل آخر لذلك الوجه فلا يناسب مثل هذا الوجه لجزالة النظم الجليل ثم الأمر بالإتيان للتعجيز في الوجوه كلها والأمر بالدعاء يحتمل أن يكون للتهكم وللاستدراج والترقي وللتعجيز وقولهم إن الأمر في بعض هذه الوجوه للتهكم وفي بعضها للاستدراج وفي بعضها للتعجيز محمول على الأمر بالدعاء ولو كان مرادهم الأمر بالإتيان فيحمل على أنه للتعجيز في الجميع لكن يتحقق في بعضها مع ذلك التهكم وفي بعضها الاستدراج وفي بعضها إرخاء العنان بمعونة المقام والبيان .
--> ( 1 ) وهذا دار ولأن الناس بدون الذي أو لا الكاذبون ولا يشهدون الشهادة الكاذبة بل يجتنبون وهذا ناش فن علة الوهم .