اسماعيل بن محمد القونوي
44
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
مجاز في الوثوق باعتبارين فكذا هنا نعم لو قيل إنه مجاز بطريق ذكر اللازم وإرادة الملزوم لم يبعد ولاستغنى عن طول المسافة إذ ما رأينا في الكتب المعتبرات أن إرادة المعنى الحقيقي إن أمكن فهو كناية وإلا فمجاز عند صاحب الكشاف وعند الجمهور لا بشرط إمكان إرادة المعنى الحقيقي في الكناية لكن شراح الكشاف وأكثر المحشيين ذهبوا إلى اعتبار الكناية الخ . ثم فهم بعضهم أن مرادهم المجاز في الإسناد ثم اعترض بوجوه وظاهر أن مرادهم أن إسناد ختم ونحوه في هذا التأويل إسناد إلى ما هو له لكنه ليس بمقصود إثباته بل للانتقال إلى التمكن والعلاقة اللزوم بخلاف المجاز العقلي وحينئذ يظهر مقابلته بالوجه الثالث ويندفع الاعتراض الذي اخترعه ذلك البعض بالمرة وظهر أيضا ضعف القول بأنه مجاز عقلي بأن يكون الختم مسندا إلى سبب ما هو له فإن اللّه تعالى سبب لإيجاد القلب فهو سبب بعيد لإحداث الهيئة المعبر عنه بالختم فإنه يستلزم اتحاد الوجه الأول والثالث على أن قوله فإن اللّه تعالى سبب لإيجاد القلب إيجاد القول المستحدث والقول بأن إسناد الختم إليه تعالى على الحقيقة محال قد مر جوابه بأن استحالته إذا لم يكن كناية أو مجازا عن التمكن المذكور « 1 » . قوله : ( شبه بالوصف الخلقي المجبول عليه ) لم يرد بالتشبيه التشبيه الذي يفاد بنحو الكاف بل الجهة التي راعاها المتكلم حين أعطى للوصف الذي كسبه العبد وأوجده حكم الخلقي الذي ينبغي إسناده إلى الخالق كما قال في دلائل الإعجاز أن تشبيه الربيع بالقادر في تعلق وجود الفعل به ليس هو التشبيه الذي يفاد بكأن والكاف ونحوهما وإنما هو عبارة عن الجهة التي راعاها المتكلم وإذا جاز أن يشبه الفاعل من حيث هو فاعل بالفاعل استلزم أن يشبه فعله بفعله في أمر ما وكذا قول النحاة شبهت ما بليس فرفع بها الاسم ونصب الخبر فإن الغرض بيان تقدير قدروه في نفوسهم وجهة راعوها في إعطاء ما حكم ليس في العمل فههنا شبه فعل العبد أعني الإعراض بفعل اللّه تعالى في عدم الزوال والتقرر في كل حال ولم ينظروا إلى الفاعل تأدبا عن تشبيه الخالق بالمخلوق لا سيما الأخس الردي وإن لزم ذلك من تشبيه الفعل « 2 » بالفعل ولذا قال شبه بالوصف الخلقي فظهر ضعف ما قيل من
--> ( 1 ) قيل وبما ذكرنا ظهر لك أن الختم على هذا الوجه استعارة عن الحق عن الاعراض لا عن إحداث الهيئة المذكورة وأن لا مجاز في الإسناد وإن الكناية يكفيها اللزوم في الجملة وأن لا قبح في الإسناد للتصوير كما في الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى انتهى وأنت تعلم أن المراد ليس مطلق الاعراض بل الإعراض المتمكن فرط تمكن في القلوب وهذا إنما يكون بإحداث الهيئة المذكور لكن لا من اللّه تعالى بل من العبد كما هو مذهبهم من أن العبد خالق أفعاله . ( 2 ) ونقل عن شرح التلخيص أن المجاز الإسنادي ليس بمقصور على ما ذكروه فأي مانع من أن يقصد في الإسناد تشبيه الفعل بالفعل خصوصا إذا تضمن معنى بديعا فلو قلت في عدم عظيم تحرك وقيامه إلا إذا غزا فيتحرك بحركته ما سواه إنما يتحرك الأرض إذا زلزلت تشبه حركة العظيم بحركتها وأسندت ما له إلى محله من غير نظر لتشبيهه بالأرض انتهى ومقتضى هذا أن الإسناد في هذا الوجه كالوجه الثالث مجازي وقد عرفت أنه إسناد حقيقة إذ فعل العبد لما شبه بالمعنى المذكور بفعله تعالى ادعاء وتنزيلا فلا شك في كون إسناده إليه حقيقة وقد مر مرارا الإشارة إليه .