اسماعيل بن محمد القونوي

437

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

معونته ) إشارة إلى أن من للابتداء إذا كان بمعنى التجاوز فإن كل فعل تعلق به من دون فقد ابتدأ في ذلك الفعل من التجاوز وقد يحذف بقرينة كما في البيت لكنه مراد فمن قال إنه إذا كان دون بمعنى التجاوز كان من زائدة فلم يصب إذ لم يقل أحد بأنه إذا كان دون بمعنى التجاوز يكون من زائدة والمعنى أي إذا تعلق من بادعوا وادعوا المعارضة من حضركم أشار به إلى أن الشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر قدمه لأنه الأصل كما سلف والمراد بالحضور الحضور في المجلس مطلقا غير مقيد بطريق النصرة أو غيرها وإن لزم ذلك وبالاعتبار المذكور صار قوله أو رجوتم معونته مقابلا له مع أنهم حاضرون للإعانة والحضور متحقق فيه أيضا ولم يقل أو أعانكم مع أنه المناسب لأن يكون الشهيد بمعنى الناصر لأن المتبادر منه الإعانة بالفعل وليس بمتحقق بالنسبة إلى المعارضة وإنما المتحقق الرجاء بزعمهم لكن إرادة رجاء المعونة من لفظ الشهيد مجاز فلو قال أو أعانكم مراد به بحسب الزعم كما قيل في قوله تعالى : أَيْنَ شُرَكائِيَ [ النحل : 27 ] أو للتهكم لكان سالما عن المناقشة . قوله : ( من إنسكم وجنكم وآلهتكم ) بيان لمن حضركم ورجوتم الخ . فمن ههنا بيانية فهي ليست كلمة من التي في النظم حتى يقال إن ما ذكره المصنف يدل على أن الجار متعلق بالشهداء وهو مناف لما ذكره أولا من تعلق من بادعوا فإن من في النظم الجليل غيرهم وانظروا هل يشهدون لكم وعلى هذا الأمر وارد على سبيل ارخاء العنان والكلام المنصف لأنهم سمعوا هذا الكلام تفكروا فيه وأيقنوا أنهم لا يشهدون لهم بذلك لأنهم زعماء الجوار وأرباب الفصاحة يميزون بين كلام فصيح وافصح وبليغ وأبلغ ويأنفون عن الكذب وإذا علق بادعوا يعم الشهيد في القائم بالشهادة وفي الحاضر فعلى أن يراد به القائم بالشهادة الشهيد مطلق غير مقيد بقوله : مِنْ دُونِ اللَّهِ [ البقرة : 23 ] كما في الأول لأنه حينئذ قيد لادعوا ومن لابتداء الغاية فيكون الدعاء قد ابتدىء مِنْ دُونِ اللَّهِ [ البقرة : 23 ] فيكون المراد بالشاهد حينئذ الشاهد العدل لأن الشاهد إذا اطلق بادر إلى الذهن هذا ومن ثم قال في الأول من دون أوليائه ومن غير المؤمنين وقال ههنا وادعوا شهداء من الذين شهادتهم بينة يصحح بهم الدعاوى وعلى هذا الأمر للتبكيت لأنهم مقرون بأن ليس لهم شهداء عادلون يصحح بهم الدعاوى يشهدون لهم بذلك ويقرب هذا الوجه من الوجه السابق وهو أن يراد بشهدائكم المدارة قال وتعليقه بالدعاء في هذا الوجه جائز وعلى أن يراد بالشهيد الحاضر ففي الكلام تخصيص الدعاء بحسب المفهوم لأن الدعاء إذا قيد بمن دون اللّه يكون غير متناول اللّه تعالى ويعم من سواه ولهذا قال وادعوا كل من يشهد لكم واستظهروا به من الجن والإنس إلا اللّه والأمر على هذا للتعجيز والتحدي مطلقا ولهذا قال : وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ [ البقرة : 23 ] إلى قوله : والجن والإنس شاهد وكم يؤيده قوله : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [ الإسراء : 88 ] واعلم أن التفرقة بين الوجوه يوجب التفرقة بين المعاني فإذا أريد بالشهداء الأصنام كان الأمر بقوله وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ [ البقرة : 23 ] للتهكم وإن أريد به الرؤساء كان الأمر للاستدراج وارخاء العنان وإن أريد به الناس العدل كان لإظهار التبكيت وإن أريد به الناصر والظهير دون اللّه كان الأمر للتحدي والتعجيز .