اسماعيل بن محمد القونوي

436

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

على ما وجهناه وفي المرتبة الثالثة على هذا القول وبالجملة هو بهذا المعنى قريب من أن يكون بمعنى غير كأنه أداة استثناء انتهى فاحفظ هذا فإنه يندفع به ما خلج في صدرك من أنهم فسروا دون بمعنى الغير أو أخذ الغير في توضيح معناه كما فعله المص مع أنهم لم يعدوا الغير من معانيه ولو مجازا . قوله : ( ومن متعلقة بادعوا والمعنى ادعوا إلى المعارضة من حضركم أو رجوتم قوله : ومن متعلقة بادعوا وفي الكشاف مِنْ دُونِ اللَّهِ [ البقرة : 23 ] متعلق بادعوا أو بشهدائكم فإن علقته بشهدائكم فمعناه ادعوا الذين اتخذتموهم آلهة من دون اللّه وزعمتم أنهم يشهدون لكم يوم القيامة أنكم على الحق وادعوا الذين يشهدون لكم بين يدي اللّه من قول الأعشى : تريك القذى من دونها وهي دونه أي تريك القذى قدامها وهي قدام القذى لرقتها وصفاتها وفي أمرهم أن يستظهروا بالجماد الذي لا ينطق في معارضة القرآن المعجز بفصاحته غاية التهكم بهم وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ [ البقرة : 23 ] أي من دون أوليائه ومن غير المؤمنين ليشهدوا لكم أنكم اتيتم بمثله وهذه من المساهلة وارخاء العنان والاشعار بأن شهداءهم مداره القوم الذين هم وجوه المشاهد وقرسان المقاولة والمناقلة تأبى عليهم الطباع وتجمع بهم الإنسانية والأنفة أن يرضوا لأنفسهم الشهادة بصحة الفاسد البين عندهم فساده واستقامة المحال الجلي في عقولهم احالته وتعليقه بالدعاء في هذا الوجه جائز وإن علقته بالدعاء فمعناه ادعوا من دون اللّه شهداءكم ولا تقولوا اللّه يشهد أن ما ندعيه حق كما يقول العاجز عن إقامة البينة على صحة دعواه وادعوا شهداء من الناس الذين شهادتهم بينة يصحح بها الدعوى عند الحكام وهذا تعجيز لهم وبيان لانقطاعهم وانخزالهم وأن الحجة قد بهرتهم ولم تبق لهم متشبثا غير قولهم اللّه يشهد أنا صادقون وقولهم هذا تسجيل منهم على أنفسهم يتناهى العجز وسقوط القدرة أو ادعوا من دون اللّه شهداءكم يعني أن اللّه شاهدكم لأنه أقرب إليكم من حبل الوريد وهو بينكم وبين أعناق رواحلكم والجن والإنس شاهدوكم فادعوا كل من يشهدكم واستظهروا به من الجن والإنس إلا اللّه لأنه القادر وحده على أن يأتي بمثله دون كل شاهد من شهدائكم فهو في معنى قوله : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ [ الإسراء : 88 ] الآية تم كلامه وجملة الكلام أن مِنْ دُونِ اللَّهِ أما متعلق بشهدائكم أو بادعوا والشهداء إما بمعنى الحاضر والقائم بالشهادة ودون إما بمعنى غير أو بمعنى قدام فإذا علق بشهدائكم اختص أن يكون بمعنى القائم بالشهادة لا بمعنى الحاضر لأنه معناه حينئذ وادعوا الحاضرين من دون اللّه وهو يوهم نفي الحضور من اللّه لأن تخصيص الشيء بالوصف وإن لم يدل على النفي عن غيره لا يقصر عن إيهامه ذلك فتعين أن يكون بمعنى القائم بالشهادة فالشاهد إما الأصنام أو مداره القوم فعلى أن يراد به الأصنام من دون اللّه إما في محل النصب على الحال أي منفردا عن اللّه على ما قاله أبو البقاء وهو المراد بقوله : ادْعُوا الَّذِينَ * اتخذتموهم آلهة مِنْ دُونِ اللَّهِ [ البقرة : 23 ] وزعمتم أنهم يشهدون لكم أو على الظرف والعامل ما في الشهداء من معنى الفعل وهو المراد من قوله ادعوا الذين يشهدون لكم بين يدي اللّه وعلى التقديرين المراد بالشهداء الأصنام يدل عليه قوله بعد ذكرهما وفي أمرهم أن يستظهروا بالجماد غاية التهكم وعلى أن يكون المراد بالشهداء المدارة يكون المضاف محذوفا المعنى ادعوا شهداءكم متجاوزين من أولياء اللّه ومن المؤمنين وادعوا